الأحد، 13 سبتمبر 2026
بيروت
32°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الاعتدال كخديعة سياسية

في كل مرحلة من مراحل الانهيار السياسي في منطقتنا، يظهر من يدعو إلى “عقلنة الطائفية” بدل تفكيكها. يُطرح علينا اليوم مجدداً خيارٌ يبدو للوهلة الأولى متّزناً: مواجهة التطرّف السني الراديكالي بنخبة سنية معتدلة “توازن” الصورة و”تطمئن” الأقليات. لكن هذا الطرح، رغم ما فيه من منطق ظاهري، ليس إلا إعادة إنتاج للفخ الذي أوقع المنطقة في صراعاتها: أي الرد على الطائفية من داخل منطقها ذاته.

لقد جُرّبت هذه الوصفة مراراً: في لبنان بعد اتفاق الطائف، حيث تحوّلت الدولة إلى محاصصة طائفية دائمة؛ وفي العراق، حين قُسّمت النخب الشيعية إلى “معتدلة” و”راديكالية” دون مغادرة مستنقع المحاصصة؛ وفي البحرين، حيث رُوّج لمعارضة شيعية “معتدلة” سرعان ما أُقصيت؛ وكذلك في اليمن، حين جرت “عقلنة” الحوثيين ثم تحوّلوا إلى ذراع حرب. أما في سورية ، فيُعاد اليوم إنتاج الفكرة نفسها: نخبة سنية “معتدلة” تواجه المتشددين، لا نخبة مدنية تواجه منطق التطييف.

هذا التوجّه لا ينهي الصراع، بل يرسّخه، ويعيد إنتاجه وفق ميزان القوى الطائفية ذاته. بل ويؤسس لمرحلة دائمة من المحاصصة، يصبح فيها “السنة المعتدلون” هم الممثلين المقبولين عن السنة، بدلاً من “السنة المتطرفين” – وكل ذلك دون الاقتراب من أصل المعضلة البنيوية: فالتفريق بين “المعتدل” و”غير المعتدل” لا يستند إلى أي معيار واضح أو متّفق عليه. من يحدّد الاعتدال؟ هل هو الموقف من العنف؟ من الشريعة؟ من الأقليات؟ من العلاقة مع الغرب؟ كل إجابة تقود إلى مزيد من الالتباس لا إلى الحل.

بل إن هذا التصنيف يعيد إنتاج الهوية السياسية على أسس مذهبية، لا على أساس البرامج والرؤى والانحياز الوطني. فيتحوّل “الاعتدال” إلى وظيفة ظرفية تُمنح وتُسحب حسب المصالح، لا حسب المبادئ.

حين نقول إن الحل يجب أن يأتي من خارج منطق الطائفية السياسية، فنحن لا نتجاهل الواقع المركّب للمجتمع السوري، ولا ننكر وجود هويات فرعية عميقة. لكننا نرفض أن تُدار هذه التعدديات بمنطق “الممثلين الطائفيين”، وكأن الحل لا يكون إلا بنسخة ناعمة من الكيانات المذهبية. وغالباً ما تنتهي هذه النخب إلى أحد مسارين: إما التواطؤ والاندماج اللاحق مع من تزعم مواجهتهم، أو العجز عن إنتاج مشروع وطني جامع، فيصطدم كل “ممثل طائفي” ببقية “الممثلين” لأنهم جميعاً أولاد النظام الطائفي ذاته.

المطلوب ليس “سنة معتدلين في وجه سنة متطرفين”، ولا “علويون عقلاء في وجه متمسكين بالسلطة”، ولا “دروز توافقيون في مواجهة دروز رافضين”، ولا “أكراد وطنيون في وجه أكراد انفصاليين”. المطلوب هو قوى مدنية حقيقية، تنشأ من وجدان الناس، وتعبر عن مصالحهم وأحلامهم، لا من صناديق التمويل أو التفاهمات الإقليمية. قوى تطرح بديلاً معرفياً وأخلاقياً وثقافياً ومنهجياً للمنطق السائد.

الردّ على طائفية السلطة لا يكون بطائفية “معتدلة”، بل بمشروع مدني عابر للهويات المغلقة، يحاكم منطق الطائفية ذاته ويرفضه، أياً كان الطرف الذي يتبنّاه. وما نحتاجه لتحقيق ذلك هو إعادة تعريف السياسة بوصفها فعلًا مدنياً جامعاً نبيلاً، لا تمثيلاً لفئات مذهبية. سياسة تحكم باسم الصالح العام، لا باسم الطائفة والعشيرة. تبني سلطة القانون، لا توازنات الطوائف. وتقوم على عقد مواطنة بين الأفراد والدولة، لا بين الطائفة والسلطة.

إن بناء هذا البديل ليس طريقاً سهلاً ولا سريعاً، لكنه الطريق الوحيد القابل للاستمرار. ومن يظن أن الطائفية يمكن ترويضها، سيكتشف متأخراً أنها لا تلد إلا نفسها.

‎سوريا_لك_السلام

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الكيانات الوطنيةالمستحدثة ؛ صنيعة مصالح الدول المنتصرة

لبنان الجبل  و الدولة لبنان هذا، ما عُرِفَ ككيان سياسي موحد قبل إعلانه في 1 / 9/ 1920 ، ولا كانت له حدوده الجغرافية المعروفة والمتعارف عليها، كما يُضَلِّل من يحاول أن يخترع...

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ...

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر...

لندن تصف سياسات نتنياهو بـ "التطهير العرقي"... هل بدأ تفكك التحالف الغربي مع إسرائيل؟

عندما تصدر لندن، عاصمة “وعد بلفور”، حكماً سياسياً وقانونياً على حكومة “إسرائيل” بأنها تمارس “التطهير العرقي” في الضفة، وأنها ترتكب “جرائم...