رفعت الدولة صفيحة البنزين ثلاثمئة ألف ليرة، وأضافت واحداً بالمئة على الضريبة لتصبح 12%، وكأن المشكلة في لبنان نقص ضرائب لا غياب دولة. دولة لا تؤمّن طبابة، ولا تعليماً، ولا سكنًا، ولا كهرباء، ولا ماء، ولا أمناً، ولا تحمي أموال المودعين، ثم تسأل بدهشة لماذا الغضب؟
هذه ليست دولة مفلسة الموارد، بل دولة مفلسة العقل.
تعرف فقط كيف تمدّ يدها إلى جيوب الناس، ولا تعرف كيف تدير أصولها أو تبتكر مصادر دخل حقيقية.
فالدولة التي تملك أراضيَ ومرافئَ ومطاراً وأملاكاً بحرية ونهرية، ولا تحوّلها إلى أصول منتجة، هي دولة ترفض أن تحكم. دولة تعوّض عجزها بزيادة الضريبة على البنزين، هي دولة تعاقب الملتزم وتكافئ الفوضى.
الحل ليس في ضريبة جديدة، بل في إدارة جديدة
في تحويل المرافئ والمطار إلى مراكز ربح شفافة،
في الشراكة الذكية مع القطاع الخاص بدل الخصخصة العشوائية،
في استثمار الطاقة الشمسية والرياح لتخفيف الاستيراد واستنزاف الدولار،
وفي تنظيم الاقتصاد غير المنضبط بدل تركه خارج الدورة المالية.
أما الإدارة العامة، فكارثة مستقلة: بلديات غائبة، شرطة بلدية لا تُرى، حفر، نفايات، تسوّل، سرقات، وانعدام أي مفهوم لإدارة المدينة.
وفي المقابل، سجون مليئة بموقوفين منذ سنوات من دون محاكمات، يموت بعضهم بالإهمال، وكأن العدالة ترف لا أولوية.
الدولة التي لا تُصلح إداراتها، ولا تضبط حدودها، ولا تستثمر، لا يحق لها أن تطلب قرشاً إضافياً من الناس.
فالتحصيل الذكي والرقمنة، أي اعتماد أنظمة إلكترونية واضحة بدل المعاملات الورقية والمزاجية، وربط الإدارات ببعضها لمنع التسرب والفساد، هي الطريق الوحيد لزيادة مداخيل الدولة من دون خنق المجتمع.
لبنان لا يحتاج ضرائب أعلى، بل دولة تعرف كيف تُنتج وتدير.
ومن يصرّ على إدارة الانهيار بالضرائب، إنما يدفع البلد خطوة إضافية نحو الانفجار والعصيان.


