الخميس، 23 يوليو 2026
بيروت
30°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

رزان أكرم زعيتر: الاستحواذ “جاب الدب على كرمنا” أمثلة من سوريا والمغرب والأردن

اقرأوا هذا المقال الاستراتيجي ، وتذكروا المناضل والمفكر القومي أكرم زعيتر

هذا هو المقال الثاني الذي أكتبه عن هذا الموضوع الهام جداً بعد أن أدركت أن واجب الكلمة يوازي في أهميته مقاومتنا الخضراء. إذ يبدو أن الاستحواذ على الأراضي العربية يتسرب في شرايين بلادنا بهدوء تحيطه لا مبالاة مفرطة ومقلقة، إنه يمر بين ضمائرنا سارقاً سيادتنا معتمراً قبعة “الاستثمار”، وبدل أن تتعالى دونه الأصوات والأقلام والمنابر لوضع حد له ولإنقاذ مستقبلنا تجده يلقى من دولنا ترحيباً وتصفيقاً.

ففي سوريا، يبرز ملف الاستحواذ على الأراضي (لا سيما الزراعية) كقصة مُغيبة في الكواليس الخلفية، يقف فيها أصحاب الأرض وحيدين أمام المستثمرين الأجانب.

صحيح أن السلطات السورية السابقة فتحت البلاد على الاستثمار للقطاع الخاص وللشركات الأجنبية وفق قانون رقم 10 لعام 1991، لكنها أبقت اليد العليا للدولة في ملكية الأراضي واستملاكها ضمن محددات عديدة منها القوانين الزراعية. في وقت لاحق مع تزايد العقوبات والضغوطات مثّلت التعديلات المتتالية على القانون بالإضافة لتشريعات وقوانين أخرى كان آخرها عام 2021، نقلة خطيرة في سياسة الاستثمار، حيث مُنح المستثمرون الأجانب حماية وامتيازات واسعة في محاولة للتماهي مع النظام الاقتصادي العالمي، ولكن مع ذلك بقي دور الدولة لافتاً لا سيما في موضوع استملاك الأراضي، ومع أن هذا الانفتاح ساهم في ظهور طغمة متنفذة، لكن بقيت هناك ضوابط أهمها توزيع قطاعي لأي عملية استملاك بين وزارات الاختصاص مثل الزراعة والإسكان وغيرها، ما يعطي الأمر محددات أكثر وسلسلة بيروقراطية من الرقابة.

أما في اللحظة الحالية، اختارت السلطة الانتقالية بعد 6 أشهر من استلامها الحكم أن تبدأ من بوابة الاستثمار المفتوح بالذات، ولم يكن التعديل الأخير على القانون عبر المرسوم 114 الصادر عام 2025 مجرد إجراء إداري، بل أعاد رسم علاقة الدولة بالأرض على وجه التحديد، المورد الأكثر حساسية في البلاد؛ فبينما كانت القوانين السابقة توزع صلاحيات الاستملاك بين وزارات متعددة، جاء الإطار الجديد ليضع القرار في يد مؤسسات مركزية مرتبطة مباشرة بالرئاسة، ما جعل تخصيص الأراضي قراراً سياسياً بامتياز. هذا المرسوم منح المستثمرين الأجانب ضمانات واسعة، ليس فقط ضد الاستملاك “غير العادل” من وجهة نظرهم من قِبل الدولة السورية، بل أيضاً عبر فتح الباب أمامهم للجوء إلى التحكيم الدولي للبت في قضايا التملك والاستحواذ وغيرها، وهو ما يرفع مصالحهم إلى مرتبة الأولوية. في المقابل، بقي المزارعون المحليون تحت ضغط القوانين والرقابة واستملاك من الدولة لصالح استثمار أجنبي، وكأن الأرض التي تشكل أساس حياتهم باتت ورقة تفاوض في يد السلطة هم ليسوا طرفاً فيه. هكذا يتحول الاستثمار من أداة لإعادة الإعمار إلى وسيلة لإعادة إنتاج الهيمنة والنفوذ، حيث تُقدَّم مصالح الخارج على حساب الداخل، ويُعاد تكريس مركزية القرار في إدارة الموارد الحيوية. هذا طبعاً إلى جانب الاحتلال العسكري الإسرائيلي الفعلي التوسعي للجنوب السوري.

وإذا اتجهنا شمالاً، أصبح الاستثمار التركي في شمال سوريا أحد أبرز أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي في المنطقة، حيث لا يقتصر على مشاريع صناعية بل يمتد إلى السيطرة على الأراضي. فقد أنشأت تركيا مناطق صناعية تركية مثل مدينة باب الهوى الصناعية في ريف إدلب، بمساحات واسعة تصل إلى مئات آلاف الأمتار المربعة، مع تطوير البنية التحتية لتكون مركزاً تجارياً وصناعياً يخدم مصالحها المباشرة. إلى جانب ذلك، طرحت مؤخراً جمعية لتجّار الألبسة في تركيا مقترحاً لتأجير أراضٍ سورية داخل الحدود بطول 444 كم وبعمق 15–30 كيلومتراً ولمدة تصل إلى 99 عاماً لإقامة مناطق إنتاج صناعي تستوعب اللاجئين السوريين العائدين إلى بلادهم كعمّال.

في المغرب فتتجاوز قضية الاستثمار حدود النشاط الاقتصادي البحت، إذ ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعمليات الاستحواذ على الأراضي والموارد؛ فمنذ توقيع “الخدع” الإبراهيمية في 2020، واللعب الأمريكي والإسرائيلي على حساسية الصحراء الغربية، أصبحت المملكة ساحة مفتوحة أمام تدفق رؤوس الأموال والشركات الإسرائيلية، حيث يُستخدم الاستثمار كأداة لإعادة ترسيخ النفوذ الإمبريالي الأمريكي والصهيوني في المنطقة. وقد ظهر القانون رقم 62.19 لعام 2021 ليُشرّع للأجانب اقتناء الأراضي الفلاحية، وكأن الأرض المغربية المعروفة عبر العصور بتقدمها في الزراعة هي مناطق بور وتنتظر لحظة “الانفتاح العظيم”.

لاحقاً، انتقل التعاون مع إسرائيل في المجال الزراعي من السرية إلى العلنية؛ فبعد أن كان المغرب يعتمد وسطاء من دول ثالثة لتصدير منتجاته إلى تل أبيب ألغى التطبيع الحاجة لهذه الترتيبات. إن الاستثمار الزراعي الإسرائيلي في المغرب يسمح بالتحايل على حملات المقاطعة الأوروبية عبر تسويق المنتجات كأنها مغربية مع إعادة الأرباح إلى إسرائيل. من هذه المنتجات الأفوكادو عالي الاستهلاك للمياه. على سبيل المثال تزرع شركة “مهدرين” الإسرائيلية الأفوكادو على مساحة 4550 دونم بهدف تصدير 10,000 طن سنوياً، وهو نشاط يستهلك ملايين الأمتار المكعبة من المياه ما يوازي استهلاك الدار البيضاء لمدة تزيد عن 4 شهور! بينما يحتل المغرب المرتبة 27 عالمياً من حيث شح المياه.

كما تستثمر أيضاً شركات أخرى خارجية بالمغرب في زراعة فواكه “نخبوية” كالتوت الأزرق والأحمر باستثمار يتجاوز 130 مليون دولار بينما يعاني 6.7% من المغاربة من نقص التغذية بحسب تقديرات البنك الدولي لعام 2022.

في بلدنا الحبيب الأردن بدأ يظهر “الاستملاك” لأغراض غير زراعية بشكل مقلق، فبينما تُسخّر إسرائيل كل أدواتها لاستغلال الأغوار الفلسطينية، وتحويل كل شبر من الأراضي الزراعية في الأرض المحتلة إلى ماكينة إنتاج درّت مثلاً على الدخل القومي الصهيوني بحسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) نحو 6.9 مليار دولار سنوياً كما في عام 2025 (يقابلها 2.4 مليار دولار في الأردن للعام ذاته)، تُترك الأغوار الأردنية، وهي القلب الزراعي للأردن، عرضة لمشاريع “استملاك” لا علاقة لها بالزراعة كتوسع شركة البوتاس، أو خط سكة حديد يخدم صادرات التعدين، وكأن المطلوب أن نزرع ملّاحات بدل الغذاء في أخصب الأراضي الأردنية التي هي ركيزة لتنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي في القطاع الزراعي والاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي في الأردن (2021-2030).

بالتوازي يغيب الحوار والشفافية في تقييم الأثر البيئي والاجتماعي والإيكولوجي المطلوب قانونياً لهذه المشاريع، ويُرفع عوضاً عنها شعار “دعم الاستثمار وتعويض المزارعين” في سياق مبهم لا يطمئن أحداً. والسؤال يبقى: لماذا الاستقواء على الأغوار الأردنية، ولماذا الاكتفاء بخطط خجولة لدعم قطاع الزراعة الذي تُعد الأغوار عموده الفقري؟ ولنفترض أنه تم تعويض المزارعين بأراضٍ أخرى، من سيعوض الأردنيين ومستقبل غذائهم بـ 3500 دونماً قد تضيع إلى الأبد؟؟

ختاماً، يتضح أن كابوس الاستحواذ لم يعد مجرد أضغاث أحلام، بل واقع خطير يتكرر بسرعة في سوريا والمغرب والأردن ودول عربية أخرى كما أشرنا في المقال السابق، حيث تُختزل الأرض وهي أساس الحياة والسيادة إلى سلعة في سوق الاستثمار العالمي كوسيلة جديدة للهيمنة والاستعمار أو لنقل إلى احتلال “سهل” بدون أن يكلّف المحتل رصاصة واحدة، بل على العكس نقوم نحن بجر الدب إلى كرمنا جرّاً.

إن مواجهة هذا الاحتلال “المباح” تتطلب وعياً جماعياً يقظاً وموحداً، وتكاملاً عربياً حقيقياً يقوم على الثقة بالنفس والإرادة والشفافية إلى جانب الإنتاج، كل هذا سيقود حتماً إلى سيادة عربية على مواردنا كافة وجوهرها “الأرض”… فالأرض التي تُسقى بعرق الفلاحين يجب أن تُثمر لصالح شعوبها، لا أن تُقطف بيد غيرهم. علينا جميعاً أن نتكاتف لوأد أهداف إسرائيل المعلنة بوقاحة عن “حقها” الكاذب في أقسام من دولنا وذلك بعد أن استساغت صمتنا الرهيب تجاه التمدد الاستيطاني السرطاني في فلسطين الذي دفع الرئيسة الإيرلندية السابقة ماري روبنسون ورئيسة الوزراء النيوزيلندية السابقة هيلين كلارك للقول قبل بضعة أيام “إن استمرار التوسع الاستيطاني سيؤدي إلى اختفاء فلسطين أمام أعيننا”.

لهذا أكتب اللهم فاشهد.

رئيسة العربية لحماية الطبيعة

مؤسِسة الشبكة العربية للسيادة على الغذاء

الرئيسة المشاركة في التحالف العالمي للسيادة على الغذاء – PCFS

عمّان – الأردن

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...

23 يوليو يوم في تاريخ الأمة لا مثيل له

في مثل هذا اليوم من عام 1952 عبرت الأمة العربية كلها إلى المستقبل حين تحركت طلائعها في مصر لاستلام السلطة، ولوضع هذا البلد العربي المركزي في مكانه الصحيح، المكان الذي فرضته عليها...

عبد الناصر... مدرسة في مقاومة الاستعمار ونصرة فلسطين

في الثالث والعشرين من تموز من كل عام، تستعيد الأمة العربية واحدة من أكثر المحطات تأثيراً ‏في تاريخها الحديث، يوم انطلقت ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، ليس بوصفها ‏حدثاً...

المناطق التجريبية في الجنوب اللبناني: بين مقتضيات الأمن ومعيار السيادة

في العلوم العسكرية، لا تُقاس قيمة أي ترتيبات أمنية بالشعارات التي ترافقها، وإنما بمدى اقترابها من تحقيق الهدف الاستراتيجي الأعلى للدولة. وفي الحالة اللبنانية، لا يوجد هدف أعلى من...

وكان معي جمال عبد الناصر في أفريقيا و مطارصنعاء

لم اذهب إلى مكان ما على وجه الأرض إلا وقد وفر لي عبد الناصر قدرا من التقدير والإحترم  كوني مصريا أنتمي إلى بلد الزعيم ، وفي مواطن كثيرة بكيت من محبة أهل الأرض لهذا الرجل.. في مطار...