كشفت الحرب التي استمرت 12 يومًا بين إيران من جهة، والولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة أخرى، عن تغيّر استراتيجي كبير في توازن الردع الإقليمي، الأمر الذي فرض تحولات عميقة في بنية التفكير الأمني والعسكري لدى حلفاء الغرب في المنطقة.
لم تعد هذه الحرب، التي بدأت بداية على خلفية استهداف القنصلية الإيرانية في دمشق، وتوسعت بعد الهجوم الاسرائيلي على ايران في ١٣ حزيران لم تعد حدثًا عابرًا في سلسلة الاشتباكات المتكررة، بل مثّلت تحولًا نوعيًا في شكل المواجهة، إذ ظهرت إيران كلاعب عسكري مباشر قادر على استهداف العمق الإسرائيلي بدقة، وكشف هشاشة المنظومات الدفاعية التقليدية.
تسريب استخباري: “لقد خُدعنا”
في هذا السياق، كشفت تقارير استخبارية فرنسية سيبرانية عن رسالة بعثت بها جيلا غامليئيل، وزيرة العلوم والتكنولوجيا في حكومة بنيامين نتنياهو، إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حوت اعترافات غير مسبوقة من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
غامليئيل، التي كانت قد شغلت سابقًا منصب وزيرة الاستخبارات حتى إلغاء الوزارة في مارس 2024، وتحوّلت مهام الاستخبارات إلى وزارة العلوم والتكنولوجيا، قالت في رسالتها:
“فقدنا 15 من كبار الضباط ذوي الخبرة والمخضرمين”.
“خسرنا 20 شخصية مؤثرة لا بدائل حقيقية لها”.
“القبة الحديدية خيبت آمالنا”.
“أمريكا استخدمتنا كغرفة تجارب لاختبار قوة إيران”.
“لقد خُدعنا”.
هذه العبارات الموجزة تعكس حالة من الانهيار النفسي والعسكري داخل بنية القرار الإسرائيلي، وتؤشر إلى إخفاق استراتيجي غير مسبوق منذ حرب أكتوبر 1973.
الإعلام العبري يقرّ: إصابات عسكرية واستراتيجية لم تُكشف
تزامنًا مع هذا التسريب، كشفت القناة “13” العبرية أن الصواريخ الإيرانية خلال المواجهة الأخيرة أصابت منشآت استراتيجية وعسكرية مهمة داخل الكيان الإسرائيلي، مضيفة:
> “هناك الكثير من الإصابات في قواعد الجيش ومنشآت استراتيجية… ما زال كثير من الأضرار لم يُكشف عنه.”
وأشار التقرير إلى أن الأضرار التي لحقت بـمعهد وايزمان للعلوم تم الإعلان عنها، بينما بقيت مواقع أخرى أكثر حساسية خارج نطاق التصريح الرسمي، في ظل قيود إعلامية مشددة.
من جهتها، أكدت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن العملية العسكرية ضد إيران كانت:
> “الأكثر تعقيدًا في تاريخ الجيش الإسرائيلي، والتهديد الإيراني لن يختفي.”
ترامب في ولايته الثانية: الدعم على المحك
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يخوض حاليًا ولايته الثانية، وجد نفسه في موقف بالغ الحساسية بعد هذه الحرب. فإسرائيل التي طالما قدّمها كحليف استراتيجي متين، أظهرت عجزًا فعليًا عن الدفاع عن نفسها دون تدخل مباشر من واشنطن.
مصادر أمريكية تحدّثت عن أن ترامب يشعر بأنه “خُدع” من قبل التقديرات الإسرائيلية، وخصوصًا في ما يتعلق بفعالية أنظمتها الدفاعية وحدود قدرتها على مواجهة التهديد الإيراني المباشر.
وفي منشور له على منصته الخاصة “Truth Social”، كتب ترامب:
> “لسنا في موقع يسمح لنا بخوض حروب الآخرين… أمريكا أولًا.”
تصريح قرأته فاينانشال تايمز بوصفه مقدمة لإعادة تقييم حقيقية للدور الوظيفي لإسرائيل في السياسة الدفاعية الأمريكية.
نهاية الدور الوظيفي؟
بات من الواضح أن الحرب الأخيرة أفرزت واقعًا جديدًا، تجاوز الهزيمة الميدانية، إلى إعادة تعريف دور إسرائيل في المنظومة الاستراتيجية الغربية. حيث كتبت مجلة Foreign Policy أن:
> “إيران أصبحت شريكًا لا يمكن تجاهله، وإسرائيل لم تعد كافية لضمان الردع أو فرض التوازن في المنطقة.”
الواقع الجديد بعد الحرب
ما بعد المواجهة لم يعد كما قبلها، والمشهد الإقليمي يعاد تشكيله على أسس جديدة:
إيران أثبتت امتلاكها قدرة هجومية دقيقة وعالية التأثير.
محور المقاومة عزز من ثقته الذاتية، وفعاليته في الردع.
إسرائيل تواجه أزمة ثقة داخلية وخارجية، وتراجعًا في مكانتها الإقليمية.
الولايات المتحدة تتردد في تجديد الالتزامات نفسها، حتى تجاه أكثر حلفائها قربًا.
الخلاصة: هل يُنهي ترامب الدور الإسرائيلي؟
ما بين رسالة غامليئيل المسربة، والتقارير الإعلامية الإسرائيلية، والارتباك الواضح في واشنطن، تظهر ملامح مرحلة سياسية وأمنية جديدة:
إيران تقود التغيير من موقع القوة.
إسرائيل تترنح تحت ضغط الواقع العسكري الجديد.
وواشنطن تُعيد حساباتها في ظل قيادة ترامب لولايته الثانية.
ويبقى السؤال المفتوح في مراكز القرار:
> هل ينهي ترامب فعليًا الدور الوظيفي الفاشل لإسرائيل؟ أم يعيد صياغته وفق شروط جديدة وأكثر صرامة؟
الجواب لم يتضح بعد، لكن الثابت أن الشرق الأوسط دخل طورًا استراتيجيًا جديدًا، حيث لم تعد إسرائيل محور المعادلة، ولا تصلح كحارس للمصالح الغربية.


