الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وافعلوا الخير لعلكم تُفلحون} سورة الحج.
وعن عبد الله بن عباسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجلٍ وهو يعظه:”اغتنم خمسًا قبل خمسٍ شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شُغلك وحياتك قبل موتك” رواه الحاكم في المستدرك.
هذا الحديث الشريف مما أعطى الله تعالى لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم وهو أن يقول كلامًا قليل الألفاظ كثير المعاني، فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى اغتنام الشباب حيث أوان القوة قبل الهرم حيث يؤول المرء عادةً إلى العجز واغتنام الصحة حيث النشاط قبل المرض حيث الضعف واغتنام الغنى لينفق في وجوه القُرب قبل أن يتلف المال فيما لا خير فيه أو يصير الى وارثٍ ربما لا يقرأ لك الفاتحة واغتنام الفراغ أي بطاعة الله تعالى من نحو طلب العلم وكثرة البر قبل هجوم الأعمال وكُلف التزويج والنفقة وغير ذلك واغتنام فرصة الحياة الدنيا القصيرة قبل الموت والبلى وضيق القبور ومن الملاحظ أن كثيرًا من الناس لا يعرفون قدر هذه النعم فتراهم لا يستفيدون منها للاستزادة من الأعمال الصالحة لتكون لهم ذخرًا في معادهم فيندمون ندمًا شديدًا عند فوات أعمارهم حيث لا ينفعهم الندم، فإن الإنسان إذا حصلت له الأمور الخمسة المذكورة في الحديث وتكاسل عن الطاعة فهو المغبون أي الخاسر، وكيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره وشهره يهدم سنته وسنته تهدم عمره وحياته تقوده إلى موته ولا يلبث أن تتغيَّر أحواله بسرعة من الشباب والصحة والغنى والفقر والحياة إلى عكس ذلك وقد روي عن سيدنا عبد الله بن مسعود أنه قال: “ما ندمت على شىء ندمي على يومٍ غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي”. وروي عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز أنه قال: “إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما”. فينبغي إذًا للإنسان أن يعرف قدر هذه النعم التي هو فيها فلا يُفرِّط بها فتذهب بلا طائل، ونسمع من كثيرٍ من الناس إذا ما دعوناهم إلى اغتنام الأوقات بالخيرات والطاعات من نحو طلب العلم وحضور مجالس الذكر وصلة الأرحام وغير ذلك مما حثَّ عليه الشرع الشريف بدل تضييع الزمان باللهو واللعب يقولون مثلًا: لم يترك السعي بأسباب طلب المعيشة لنا وقتًا ونحو ذلك من الكلام علمًا أن واحدهم يجد وقتًا كافيًا لأمورٍ كثيرةٍ ولكننا نقول لهؤلاء: قال الله تعالى:{ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكَّل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شىءٍ قدْرًا} سورة الطلاق. فمن اتقى الله تعالى جعل له فرجًا ومخرجًا ورزقه من حيث لا يدري ومن توكَّل على الله والتوكُّل على الله هو الاعتماد الحقيقي على الله باعتقاد أنه لا خالق لشىء من المنافع والمضارِّ إلا الله تعالى كفاه الله والله بالغ أمره أي لا أحد يمنع نفاذ مشيئته تعالى وقد جعل الله لكل شىءٍ قدرًا أي أمدًا ينتهي إليه فلا تدوم شدةٌ ولا كربٌ ولا بلاءٌ ولا غير ذلك من حوادث الدنيا ومن أهمَّه شىءٌ من ذلك فليتذكر قول الله تعالى:{فإن مع العسر يُسرًا إن مع العسر يُسرًا} سورة الشرح.
وروى الشهاب القُضاعي في مسنده عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقول الله عزَّ وجلَّ للدنيا: يا دنيا اخدمي من خدمني وأتعبي يا دنيا من خدمك” وروى البيهقي في الآداب عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نُؤته منها وما له في الآخرة من نصيب “سورة الشُورى” ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله عزَّ وجلَّ ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنًى وأسدَّ فقرك وإلا تفعل ملأت صدرك شغلًا ولم أسدَّ فقرك” فإن أنت أطعت ربك ولم تُفرِّط فيما أوجبه الله تعالى عليك واجتنبت ما حرَّم ربك يسَّر لك الخير من حيث لا تحتسب فالآمال تقطعها الآجال، وكلما زاد العُمر نقص والأيام سريعة الزوال، فسرورها ينقضي وحزنها يذهب وأهلها راحلون عنها بما قدموا فيها.
وقد عرف سلفنا الصالح ومن بعدهم من أهل الفضل والتيقظ قيمة هذه النعم الخمس فكانوا يغتنمون شبابهم بأحسن ما ينبغي قال النووي في “رياض الصالحين”:”ونقلوا أن أهل المدينة كانوا إذا بلغ أحدهم أربعين سنة تفرَّغ للعبادة” أي فكان يصرف وقت صحته ونشاطه وفراغه وكل ذلك يكون متيسّرًا عادةً وقت الشباب أكثر من بقية أيام العمر في طلب العلم فإذا بلغ أربعين سنةً تفرَّغ للعبادة وهذا على خلاف ما عليه أكثر الناس اليوم حيث أغلبهم في غرورٍ ولهوٍ وغفلةٍ فلا يغتنمون خَمْسَهُم قبل خَمْسِهِم وتغُرُّهم الأماني فيا ضيعان الزمان بالنسبة لهؤلاء المحرومين وقد روي عن سيدنا عليٍ أنه قال: “إيَّاك والاتكال على المنى فإنها بضاعة الحمقى” وجاء عن الأحنف بن قيسٍ:”كثرة الأماني من غرور الشيطان” وقد قيل:
وما المرء إلا راكبٌ ظهر عمره على سفرٍ يُغنيه باليوم والشهر
يبيت ويضحى كل يومٍ وليلةٍ بعيدًا عن الدنيا قريبًا من القبر
فمن استعمل شبابه وفراغه وصحته وحياته في طاعة الله قبل انشغاله بكُلف الحياة والزوجة والأولاد ولم يُهمل بسبب مشاغل الدنيا الأخذ بأسباب النجاة في الآخرة فهو المغبوط(حَسَن الحال) ومن صرف وقته وصحته في معصية الله فهو المغبون(الخاسر)فإن الفراغ يعقبه الشغل والصحة يعقبها السقم، ولو لم يعقب الصحة إلا الهرم لكفى، وإن أنفس ما تُصرف فيه الأوقات العلم والعمل، والعاقل من استفاد من عنفوان الشباب قبل ضعف الشيخوخة ومن قوة الصحة قبل الفتور والمرض وقدم المال لآخرته قبل أن تأكله آفات الدنيا وعلم أن أنفاسه معدودة فاستفاد من فرصة العمر الذي وهبه الله تعالى له فكان من الفائزين وسعدت دنياه وأخراه والحمد لله أولًا وآخرًا.