ما إن نسمع بمصطلح العنف الأسري حتى يتبادر إلى الأذهان نموذجٌ واحد: الذكر هو المعنِّف والأنثى هي المعنَّفة.
لكن ماذا لو كان العكس هو الصحيح؟
ماذا لو كان الرجل هو الضحية والمُعنَّف، والمرأة هي الجانية؟
عشرات، بل مئات الرجال في لبنان، يعانون في صمتٍ داخل بيوتهم من أشكالٍ مختلفة من التعنيف ، من دون أن يجرؤ أحدهم على البوح بما يعيشه.
فوفقًا لإحصاءاتٍ أوردها موقع Days of the Year، تُظهر الأرقام أن واحدًا من كل ستة رجال يواجه شكلاً من أشكال العنف. وتشير الدراسات إلى أن 40% من حالات العنف المنزلي تشمل الرجال، إلا أن 25% فقط من هذه الحالات تصل إلى الجهات المعنية، ما يعكس حجم التحديات التي يواجهها الرجال عند التبليغ عمّا يتعرضون له.
يتعرّض بعض الرجال لأنواعٍ متعدّدة من العنف: النفسي، والعاطفي، وأحيانًا الجنسي، كحرمانهم من رؤية أطفالهم، أو الامتناع عن المعاشرة الزوجية، أو الطرد من المنزل، أو حتى الحبس بسبب قضايا النفقة.
لكن هذه الحالات نادرًا ما تُوثّق أو تُتناول في الإعلام، لأسبابٍ عدّة، من أبرزها:
امتناع الرجال عن الإفصاح عمّا يتعرّضون له خوفًا من السخرية أو التنمّر، أو بسبب الشعور بالعار الناجم عن الصورة النمطية التي يفرضها المجتمع.
تركيز الإعلام والمحاكم في لبنان على تصوير النساء كضحايا وحيدات للعنف الأسري، في ظلّ وجود جمعيات وتشريعات عديدة لحمايتهن، فيما يُقدَّم الرجل غالبًا على أنه المعتدي والمتوحّش.
ولا شك أن الأوضاع الأمنية الصعبة والضغوط الاقتصادية في لبنان ،فاقمت من حوادث العنف الأسري عمومًا، ما يعني أن معاناة الرجال والنساء على حدٍّ سواء قد ازدادت.
وفيما يلي أبرز أنواع العنف التي يمكن أن يتعرّض لها الرجل:
1- العنف اللفظي
وهو الأكثر شيوعًا، وغالبًا ما يكون مدخلًا إلى أشكال العنف الأخرى.
يتضمّن الشتائم، والإهانات، والسخرية، والتقليل من الرجولة أو القدرات، كأن يُقال له:
«أنت ما بتفهم شي، كل الرجال أحسن منك.»
وقد تُسخر منه زوجه بسبب شكله أو وظيفته أو عائلته أمام الآخرين، ما يؤدّي إلى كسر ثقته بنفسه وشعوره بالإهانة والنبذ، فيلجأ إلى الصمت المؤذي أو يردّ بعنفٍ مضاد.
2- العنف النفسي أو العاطفي
وهو عنفٌ خفيّ لكنه الأشدّ تدميرًا.
يحدث عندما تستخدم المرأة المشاعر أو التلاعب النفسي للسيطرة على الرجل أو إذلاله، كتجاهله عمدًا، أو معاملته ببرود، أو تهديده بالانفصال أو بحرمانه من أولاده.
وقد يكون من خلال التلاعب بالعاطفة، مثل قولها: «لو كنت تحبني فعلًا، لفعلت كذا.»
أو بتذكيره المستمرّ بأخطائه القديمة لإضعافه نفسيًا.
كلّ ذلك قد يدفع الرجل إلى الاكتئاب أو العزلة.
3- العنف الجسدي
وإن كان أقلّ انتشارًا من العنف الذكوري، إلا أنه موجود.
وقد يتجلّى بالضرب أو الدفع أو الرشق بالأشياء أو استخدام الأدوات، مثل صفعه أثناء الشجار أو تكسير أغراضه أمامه.
وهذا السلوك يدمّر العلاقة الزوجية ويقضي على ما تبقّى من احترامٍ متبادل.
4- العنف المالي
ويحدث عندما تُستخدم الموارد المادية وسيلةً للتحكّم أو الإذلال، كحرمان الرجل من دخله المشترك، أو تهديده بالطلاق أو الفضيحة إن لم يدفع المال، أو استغلاله ماديًا ثم تركه.
فيشعر بأنه مجرّد مصدرٍ للمال، مما يولّد الكراهية والاحتقان في العلاقة.
5- العنف الاجتماعي
ويتمثّل بالإضرار بسمعة الرجل أو صورته أمام الآخرين، كنشر أسرار العلاقة الزوجية أو المشاكل الخاصة على وسائل التواصل، أو تشويه سمعته واتهامه بالخيانة أو الضعف، مما يخلّف ضررًا كبيرًا بكرامته ومكانته الاجتماعية.
إذاً، إنّ عنف المرأة تجاه الرجل لا يقلّ خطورةً عن العنف المعاكس، حتى لو كان أقلّ جسدية.
وفي النهاية، يبقى العنف بين الطرفين نتيجة خللٍ في التواصل وفقدانٍ للثقة، لا طبعًا فطرةً في أحدهما دون الآخر.
في الحلقة المقبلة:
رجال تضربهم نساءهم


