السبت، 7 مارس 2026
بيروت
15°C
غائم جزئي
AdvertisementAdvertisement

حين يوزع الجُهَلاءُ النَّصائح! علامةُ موعدِ الهلاك

فؤاد الهاشم

في صباحٍ ، من شتاء عام ١٩٢٩م ، كان جوزيف كينيدي – رجل الأعمال و المستثمر اللَّامع و والد الرئيس الأمريكي القتيل جون كينيدي – يسير في أحد شوارع نيويورك متوجهاً إِلى مكتبه في وول ستريت . و توقف عند زاوية اعتاد أَنْ يلمّع حذاءه لدى فتىً صغيريعمل ماسحُ أحذيةٍ . كان الجو بارداً ، و النَّاس يتحدَّثون عن الأسهم و الفرص السَّريعة . . و بينما ينحني الصَّبيُّ على حذاءِ كينيدي ، قال بثقة : (هل اشتريت أسهم شركة فورد؟ سترتفع كثيراً هذا الأسبوع . الجميع يشترونها !) تجمّد كينيدي في مكانه . لم يضحك . لم يناقش ، لم يسأله : من أين لك هذا؟ بل نظر للأُفقِ ، و قال لنفسه : إذا كان حتى ماسحُ الأَحذيةِ يتحدَّثُ عن الأسهم فالفقاعة قد بلغت ذروتها . هذا السُّوق لم يعد يحكمه المنطق بل الحماسة العمياء . لقد دخل القطيع . . . حان وقت الخروج .
في اليوم التالي ، بدأ كينيدي يبيع كل ممتلكاته في السُّوق ، و انسحب بهدوءٍ . . بعد أََسابيع فقط انهار كلَّ شيءٍ . الثُّلاثاء الأَسود أكتوبر ١٩٢٩م أَطاح بالملايين . البنوك أُغلقت ، و رجالُ أَعمالِ أَلقواْ بأَنفسهم من نوافذ الأَبراج ، و الاقتصاد الأمريكي دخل نفقاً مظلماً . لكن كينيدي نجا ، و نجا لأَنَّه فهم الإشارة (حين يبدأ الجُهَلاءُ بتوزيع النَّصائح ، فهذا ليس وقت التَّعلم . . بل وقت الهروب) .
و اليوم تحوَّلَ من البورصة إِلى مواقع التَّواصل القطيع نفسه بثيابٍ جديدةٍ . فعاد ماسحُ الأحذية على منصة إِكس ، أَو فيسبوك ، أَو تِيْك تُوْك ، يضعُ صورة بروفايل لرمزٍ ناريٍّ أَو رايةً سياسيَّةً أَوَ دينيَّةٍ أَو لزعيم عشيرةٍ أَو طآئفةٍ و يبدأ إلقاء المحاضرات عن : الاقتصاد ، و عن الوطن و السِّّياسة ، و عن الدِّيْن ، و عنك أَنت . ينصبُّ نفسه مرجعاً و يصرخ : أَنت خائنٌ! ، أَنت عميلٌ! ، أَنت قوّادٌ! أَنت لاَ تفهم! ، أَنت مرتزقٌ! و يرد عليه مئات الغوغاء بقلوبٍ و نيرانٍ و تصفيقٍ و تأَييدٍ و إعجابات .
هل تضحك؟ لا تفعل . تحوّلت مواقع التَّواصل إِلى نسخةٍ حديثةٍ من وُوْل ستِرِيْت قبل الانهيار : الحماسة نفسها ، الغوغائيَّة ذاتها ،القطيع نفسه . . هذه المَرَّةَ الخسارة ليست مالك بل وعيك ، وَ قيمك ، وَ أَعصابكَ وَ رصانتك و إِنسانيَّتُك .
هذا ليس نقاشاً . . هذه حظيرةٌ رقميَّةٌ . لا تتوهَّم أنَّ هذه المنصات ما زالت أَماكن للتعبير أَو الحوار . لقد أصبحت منصات تشهير . ساحاتُ تصفيةٍ لاَ ساحاتُ فكرٍ . مزابل رقميَّةٌ ، يقف على رؤوسها من يصرخُ أَكثر لاَ من يفهم أَو يفكِّر بشكلٍ أَعمق . صار المثقفُ مَنْ لديه أَكبر عددٍ من المتابعين لاَ أَكبر عددٍ مِنْ الكتب و المقالات و الأَفكار و البحوث و الدِّراسات . صار الصَّوتُ الأَعلى وَ الأَكثر جهلاً و انحطاطاً هو الذي يُصدَّق ، لا الصُّوتُ الأَصدق . و صار الحقُّ يُحسبُ بعدد الإعجابات الصَّادرة من الجهلة ، لا بقوَّةِ الحُجَّةِ و المنطق و الفهم . لا تتوهَّم أَنَّ هذه المنصات ما زالت أَماكنَ للتعبير أَو الحوار .
لقد صار الغوغاء جيلاً كاملاً من ماسحي الأَحذية على الإنترنت . و حتى لا نظلم ماسح الأَحذية ، أَو نَحُطُّ من قدره ، فهو يبقى إِنساناً يحصل على رزقه بعرق جبينه ، و رُبَّما لم تساعده الظُّروفُ أَنْ يجد عملاً أَكثر ربحاً و قيمةً ، فالفرق كبيرٌ بينه و بين عجيانٌ و صبيانٌ و رداحات المواقع . ماسحُ الأَحذية في زمن كينيدي كان طفلاً بسيطاً يكرِّرُ ما يسمعه . أَمَّا الغوغاء اليوم فهم جهلةٌ مغرورون لا يكتفون بتكرار السَّخافة و البذاءة بل يصنعونها ، و يهاجمون كلَّ من لا يتبناها .
في زمن كينيدي ، كانت النَّصيحة من ماسحِ أحذيةٍ مُجَرَّد إِنذار . أَمَّا اليوم ، فالنَّصائح تأَتيك من آلاف (المؤثرين) – بين قوسين طبعاً – و معها شتائمَ ، و تخوينٍ ، و تكفيرٍ ، و تهديدٍ ، و ابتزازٍ رخيصٍ و مفضوحٍ لا يسعك إِلاَّ أَنْ تضحك عليه ، و تَحزَنَ في وقتٍ واحدٍ . تضحك لأَنَّ هذه الشَّريحة المبتذلة صارت تتصدَّرُ المنصات و تقدِّمُ نفسها أَنَّها تقود الرَّأَي العام ، و تَحزَنَ لأَنَّ الملايين من أَمثالهم ينساقون وراءهم و يصَفِقُون لهم ، و يتصرَّفون كالكلاب المسعورة و الثيران الهائجة ستصطدم عاجلاً أَو آجلاً بالحائط القاتل . صدق الفيلسوف الكندي آلاَنْ دُوْنُو أَنْ سَمَّاه (نظام التفاهة) الَّذِي جعل حثالات العالم يتصدَّرون المشهد بأَرخص أَنواع الأَفكار و الابتذال و السَّفاهة و الانحطاط ، و يأَخذون العالم معهم إِلى الحضيض .
إنَّ فقاعة الوعي أَخطرُ من فقاعة المال في البورصة ، كان دخول الغوغاء يعني انهيار المال أَمَّا في الإِعلام الرَّقمي ، فدخول الغوغاء يعني انهيار المعنى ، و تَشَوُّه الحقيقة و انتشار السَّفاهة و التَّفاهة و موت العقل . نعم ، البعض ما زال يحاول (الإصلاح من الدَّاخل) يكتبُ ، و يشرحُ ، و يناقشُ ، و يستميت . لنكن واقعيين : هل تُنَظِّف المجاري و أنت واقفٌ وسطها؟ هل تنقذ الكرامة و أَنت تتوسلَّها في مساحةٍ يقودها الأَراذلَ و التَّافهون المأفونون؟
لاَ أَحدَ يعالجُ الطَّاعون بالتَّعايش معه . وَ لَا أَحدَ يُقنعُ قطيعاً هائجاً بأنْ يتريث و يقرأ. و السُّؤَالُ المُحَيِّرُ اليومَ : هل تفعل ما فعله كِنْيَدِي يا تُرَى؟ أَم إنَّ الأَثير الإِلكترونيُّ فيه أَيضاً أَعدادٌ لا يُستهانُ بها من العقول وَ المتابعين المحترمين؟ هل الخُرُوجُ من هذا الفضاء العظيم هو الحَلُّ؟ لاَ شَكَّ أَنَّ من يقودَ النَّقاشَ في أَحيانٍ كثيرةٍ هُمُ الجهلةُ و الرِّعَاعُ ، و صحيحٌ أَيضاً أَنَّ الحُشُود لا تُريدُ فَهمَاً بل إِعداماً ، أَليس من الخطأ أَنْ تتركَ البضاعة الفاسدة تَطرُد البضاعة الجَيِّدة؟
و البعض يدعوك إِلى إِطفاءِ الموبايل و الخروج فوراً من هذا المستنقع الآسن ليس جبناً ، بل حكمةً لا هروباً ، بل انقاذاً للعقل و الضمير . في الأَسواقِ ، حسب رأيهم ، الغوغاء يُسقطون المال و في الإعلام الغوغاء يُسقطون المعنى . و في كلتا الحالتين ، من بقي في الزِّحامِ خاسرٌ . لهذا يطالبونكم بالخروج قبل أن تفقدوا نفوسكم ، لا فقط فلوسكم .

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الناس فى دول الخليج تتساءل: لماذا تقصفنا ايران؟ الاجابة باختصار شديد هى: الملالى يريدون ارسال رسالة الينا مفادها التالى: اطردوا الاميركيين من اراضيكم وقواعدهم ! لكنهم لم يكملوا...

صدق او لا تصدق

في وقت يرفض فيه مدراء مدارس رسمية خارج بيروت ، استقبال مهجري العدوان الصهيوني ، وبعضهم اقفل هاتفه الخلوي ، والبعض الآخر يتحجج بحاجة مدرسته إلى صيانة وإصلاحات … يزعم آخرون إلى أن...

لماذا رفض مولوي استقبال محمد علي الحسيني التايواني ؟

منذ سنوات ،الح المدعو محمد علي الحسيني التايواني ، بطلب موعد لزيارة أمين عام الجماعة الاسلامية ، الشيخ فيصل مولوي ( توفي عام 2011رحمه الله ).. فلما سأل الشيخ عن هذا الشخص ،اجابه...

شارك الخبر

الزميل حسن صبرا يهنىء السفير السعودي في لبنان الدكتور وليد البخاري بعيد تأسيس المملكة العربية السعودية ال٣٠٠ شارك الخبر

في رمضان المبارك من يخرج طرابلس من قلقها؟

ليست بعيدة تلكم الصورة المشرقة والوضاءة، التى كانت تبدو فيها طرابلس مع إطلالة شهر رمضان المبارك ، حيث كان هذا الحدث المرتقب كل عام يثير مكامن البهجة والحبور في أرجاء المدينة،...