في مجتمعاتنا، كثيرًا ما يُختزل مفهوم “العنف الأسري” في صورة امرأةٍ معنَّفة أو طفلةٍ تبكي بصمت. لكن ثمة وجعٌ آخر، لا يُرى ولا يُقال: رجلٌ يعاني في بيته، يختبئ خلف جدران صمته، ويخشى أن يُصدّقه أحد، أو يشمت به أحد. فالعنف ليس له جنس، وكما تتألّم المرأة، يتألّم الرجل أيضًا وإن بصوتٍ مكتوم.
ظلّ البيت
كان سامر يفتح باب الشقة كل يوم بعد عملٍ طويل، آملاً أن يجد في الداخل هدوءًا ينسيه مشقات العمل وضغوطات الخارج. لكن منذ سنوات قليلة تغيّر شيءٌ ما بينه وبين ندى، زوجه. لم تبدأ الأمور بعنفٍ مباشر؛ كانت كلماتٌ صغيرة تنكُت هنا وهناك، سخريةٌ خفيفة أمام الأهل، ثم بدأت تتراكم مثل حجارةٍ صغيرة على طريقٍ طويل.
أول مرةٍ كسر فيها صمته كانت حين نسي موعدًا عائليًا. لم تنتظر ندى تفسيرًا؛ صرخت فيه أمام الأطفال، نعتته بالكسل، وأطلقت عليه ألفاظًا جارحة. شعر سامر بالخجل، لا من الكلمات، بل من صورة “الرجل القوي” التي تربّى عليها. أغلق الباب على نفسه، وبدأ صراعه مع الصمت.
حين انطفأ البيت
أمّا فادي فكان موظفًا بسيطًا، هادئ الطبع، لا يحب الصراخ ولا الجدال. تزوّج من ريم بعد قصة حب قصيرة، ظنّها بداية حياةٍ مليئة بالودّ والسكينة. لكن بعد سنةٍ واحدة فقط، بدأ البيت يفقد دفأه. تحوّل الصراخ إلى إهاناتٍ يومية: “أنت فاشل!” “حتى أولادك ما بيحترموك لأنك ضعيف!”
في البداية صمت، ظنًّا منه أن الحبّ يُصلح ما تفسده القسوة، لكن الإهانة استمرت حتى صفعته أمام أولاده. في تلك اللحظة، انكسر شيءٌ في داخله إلى الأبد.
هرب من البيت، جلس في سيارته طويلًا يبكي بصمت. التقى بصديقه مازن، قال له: “السكوت مش رجولة… الكرامة هي الرجولة.” كانت الجملة كفيلة بأن توقظه من سباته.
بدأ رحلة علاجٍ نفسي، واستعاد ثقته بنفسه، ثم واجه زوجه قائلًا: “ما بدي أعيش بخوف بعد اليوم. يا نحترم بعض، يا كل واحد يمشي بطريقه.” اختارت ريم الطلاق، لكنه خرج مرفوع الرأس. صار يساعد رجالًا مرّوا بتجارب مشابهة، مردّدًا: “الكرامة مش خيار، هي أساس الحياة”.
نوال: القوة التي أرهقت الحب
نوال امرأةٌ ناجحة، قوية الشخصية، طموحة إلى حدّ الصدام. تزوّجت من سامي، شابٍ طيب القلب، هادئ الطبع، بسيط الحياة. في البداية كان كل شيء طبيعيًا، لكن شيئًا فشيئًا بدأت تنظر إليه كـ “ظلّ رجل”. كانت كلماتها لاذعة: “لو لم أعمل أنا، لما أكلنا لقمة!” “أنت رجل أم ظلّ رجل؟!”
وفي ليلة غضب، دفعت الكرسي نحوه فارتطم به، ثم رفعت يدها عليه. غادر سامي بيته بصمت، تاركًا وراءه رسالة قصيرة: “العنف لا يُبرَّر، سواء من رجل أو امرأة” “كنت أظن أن الصمت يحمي بيتنا، لكنه في الحقيقة دمّره.”
حين قرأت نوال الرسالة، أدركت أنها لم تكن “قوية”، بل كانت قاسية، وأن القوة الحقيقية لا تكون في السيطرة، بل في الاحترام.
رجل بلا صوت
كان نبيل يعيش حياةً مثالية في نظر الناس: وظيفة مرموقة، منزل جميل، وزوج أنيقة تُدعى رانيا. لكن خلف الواجهة، كان يخفي جرحًا عميقًا. كانت رانيا تمارس عليه عنفًا نفسيًا باردًا: تسخر منه، تُحقّره، وتُشعره أنه لا شيء من دونها. تقول له دائمًا: “أنا السبب في نجاحك”.
وذات يوم، سمعها تستهزئ به أمام صديقاتها. خرج من البيت وبكى بحرقة، لا من الخيانة، بل من الإهانة. ومنذ تلك الليلة قرر أن يستعيد صوته.
توجّه إلى طبيبٍ نفسي، أدرك أنه ضحية عنفٍ نفسي، وبدأ رحلة شفاءٍ طويلة.
وعندما واجهها قال: “أنا إنسان… مش ظلّك، ومش لعبة بين يديك”.
ولمّا لم تتغيّر، اختار الرحيل. وها هو اليوم يعيش بسلام، ويقول لمن يسأله: “كنت أظن أن الصبر فضيلة، لكن الصبر على الإهانة خطيئة.”
العنف الصامت
العنف ليس دائمًا صفعةً أو ضربة؛ فقد تكون الكلمة أقسى من اليد، والنظرة أوجع من الصوت. الرجل أيضًا يُعَنَّف، لكنه يصمت خوفًا من السخرية أو من أن يُتهم بالضعف.
الكرامة ليست امتيازًا لجنسٍ من دون آخر، بل حقٌّ إنسانيٌّ أصيل لرجلٍ وامرأةٍ وطفلٍ، على حدّ سواء. فالبيت السليم ليس الذي يخاف فيه أحد، بل الذي يُحترم فيه الجميع.


