السبت، 7 مارس 2026
بيروت
15°C
غائم جزئي
AdvertisementAdvertisement

رحل الصوت الذي لا يشبه أحدا... فبكت الحرية في كل بيت

رلى توفيق الحوري

في وداع زياد الرحباني… صوت الزمن الموجوع ونبض القضية

من الصعب أن نودع زياد.ومن الصعب أكثر أن نجد الكلمات المناسبة لوداعه.كيف نودع من كان يحيا في وعينا؟ من كان يعيش في جملنا اليومية؟ من كانت عباراته تخرج من أفواهنا دون أن ندري، وتعبيراته كانت نحن، أكثر مما كنا أنفسنا؟

غاب زياد، لكن لم تغب ضحكتنا الساخرة، ولا دمعتنا المرة، ولا كآبتنا النبيلة، ولا أوهامنا الثورية.
رحل ، لكننا سنبقى نبحث عنه في المقاهي، وفي الشوارع المهترئة، وفي سجائر العابرين، وفي جداريات الانتظار، وفي نوتات البيانو المتروك قرب شرفة تطل على بيروت التي أحبها، وبكى عليها، ولها، وفيها.

زياد لم يكن ابنا لمدرسة الرحابنة فقط. كان مدرسةوحده مزيجا من النبوغ والتجريب، من العبقرية والمزاج، من النقد والتمرد، من الحب والغضب، من الشيوعية المتمردة، إلى الوطنية المجروحة، إلى الإنسان الذي كلما حاول أن يهرب من نفسه، وقع فيها.

لم يقدم فنا فحسب، بل مشروعا نقديا مكتملا له بنيته الفلسفية والاجتماعية. كان يفكك النظام الثقافي العربي، ويفضح السرديات الزائفة التي تغطي الانهيار الجماعي خلف الأقنعة الطائفية والاشتراكية الشكلية. كان يفضح المثقف المتواطئ، والمواطن المنهك، والزمن المكسور، بأسلوب يجمع بين الغضب والشفقة والسخرية الراقية.

أحب الفقراء. لم يزايد على أوجاعهم، بل عزفها. لم يتسول باسمهم، بل صرخ نيابة عنهم.
كان يعرف وجعهم، يعزف بوجعهم، يكتب من همهم، ويتقن التنكيت على وجعنا جميعا، لا من باب التسلية، بل من باب الثورة المستترة بالنكتة، والوعي المبطن بالضحك.

في أعماله مثل “بالنسبة لبكرا شو”، لم يكن النص مجرد مسرح، بل مرآة لتشظي الذات اللبنانية في مواجهة القمع والعبث. وفي “أنا مش كافر”، قدم زياد صوت المقهورين الذين لا يجدون مكانا حتى في إيمانهم، وفي برنامجه الإذاعي الشهير “بلا ولا شي”، اختبرنا جرأة الكلمة الحرة في بلد تحاصر فيه الحقيقة من كل الجهات.

لم يكن عابرا في الزمن اللبناني والعربي.كان هو الزمن ذاته.
هو المرايا المهشمة، والمسرح الذي بكينا فيه على أنفسنا، والموسيقى التي أعادت تعريف الألم والفرح، وهو الذي قال كل شيء بطريقة لا تشبه أحدا، فصار وحده «اللا أحد» الذي يشبهنا كلنا.

القضية الفلسطينية كانت قضيته.وشتان بين من عاش من أجلها، ومن تاجر بها. في صوت زياد، وفي موسيقاه، وفي مسرحه، كانت فلسطين مقيمة، من دون ابتذال، ومن دون ضجيج الشعارات.كانت جزءا من نبضه، ومن نفسه، ومن حزنه، ومن وعده الذي لم يخلفه. فلسطين عند زياد لم تكن ملصقا على الجدار، بل موالا في القلب، فلسطين عند زياد لم تكن مقاما سياسيا، بل مقاما موسيقيا وسلوكا حياتيا.

لم يكن زياد ابن بيروت فقط، بل ابن الوجدان العربي المقهور. سخر من الأنظمة حين استباحت المواطن، ولام اليسار حين استسلم للبرجوازية، ووبخ المثقفين حين ارتضوا دور الأُجراء في بلاط المال السياسي. كان من القلائل الذين واصلوا الثورة حتى في زمن التسويات…!

وكم نحن بحاجة اليوم إلى زياد… ليس فنانا فقط، بل معلما، ضميرا، علامة فارقة في الزمن الرديء.

لقد تربت أجيال على كلماته، وتوارثت عباراته، وكأنه لم يكن يعيش زمنا واحدا، بل أزمنة متراكبة، وأنه لم يكن ابن جيله، بل ابن كل الأجيال التي حلمت، وضحكت، وانتكست، ولم تفقد الأمل.

في عز الكآبة التي كنا نشعر بها، كانت أعماله تمنحنا شيئا من الحياة.وفي عز الغضب، كانت موسيقاه تهدهدنا. وفي لحظات التساؤل، كان صمته يقول أكثر من كل خطابات الزعماء.

زياد لم يكن شخصية عادية في وجدان اللبنانيين. هو بمثابة الخزان العاطفي والفكري لجيل بأكمله.كل تفصيل في حياته كان مادة للسؤال، للنقاش، للغضب أحيانا، ولكن أيضا للإعجاب، وللمصالحة مع ذواتنا من خلاله.

ولأنه كان صادقا حد القسوة، وعفويا حد الإرباك، ومستفزا حد العجز، وجريئا حد الرعب، فقد بقي زياد حالة لا تحتمل أحيانا، ولا يمكن الاستغناء عنها أبدا.

وقد يكون من السهل أن نقول: “لن يتكرر”.لكن في حالته، العبارة ليست مجازا.بل واقعا.من يشبه زياد؟ من يستطيع أن يختصر بلادا كاملة في جملة؟ أن يسخر من الطائفية وهو يعريها؟ أن يغني للثورة وهو يعرف انكساراتها؟ أن يحبّ المرأة وهو يصارعها؟ أن يكون حزينا ويضحكنا؟ أن يكون خفيف الظل وثقيل المعنى في آن؟

اليوم، فيروز تبقى وحيدة.
غادرها الزوج، ثم الابن.
لكنها تبقى الرمز، والحنان، والمقام الأعلى في الوجدان.وإن كان القلب اليوم مثقلا بالفقد، فدعاؤنا لها ليس فقط بالسلام، بل بالبقاء شاهدا حيا على زمن كانت فيه الأصوات شرفا، لا سلعة.

اللهم الطف بأم زياد.
اللهم أنزل عليها سكينة لا يفهمها إلا الأمهات.
اللهم اجعل قلبها مطمئنا بأن الغياب ليس فناء، وأن اللقاء قريب.
اللهم اجبر كسرها، وأكرم غربتها في هذا العالم الموحش.
اللهم كن معها، ولها، وبها، كما كانت لنا جميعا صوتا لا يصدأ، وذكرى لا تنطفئ.

رحم الله زياد، وأطال عمر فيروز،وأبقى لنا من لبنان ذلك الصدى الجميل الذي لا يموت، وإن مات من قاله.

يقال إن الأوطان تموت بصمت… لكن زياد علمنا أن نفضح موتها بالغناء.

وإذا غاب زياد بالجسد، فإرثه الحي هو التحدي: كيف نحمل صوته معنا إلى المعارك القادمة؟ كيف نحمي الكلمة من التشويه، والموسيقى من السوق، والكرامة من الذوبان؟ فزياد لم يكن خاتمة مرحلة، بل بداية سؤالٍ كبير: هل ما زالت الفنون قادرة على أن تكون مقاومة؟

صوت الذين لا صوت لهم

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...

هل يُعَدّ صمود إيران اليوم انتصاراً… أم تأجيلاً لحسمٍ أكبر؟

في الحروب الكبرى، لا تُقاس النتائج دائماً بعدد الضربات أو حجم الخسائر في اللحظات الأولى. فالتاريخ العسكري يُظهر أن المرحلة الأولى من أي مواجهة غالباً ما تكون مرحلة الصدمة، حيث...

موقفٌ مشرّف لأهل السنّة مع إخوانهم الشيعة النازحين

في أوقات الرخاء قد يختلف الناس في السياسة، وتتباين آراؤهم في الشأن العام، وتعلو الأصوات أحيانًا في جدالاتٍ لا تنتهي. لكن حين تهبّ العواصف الكبرى، وحين تضيق الأرض على أهلها بفعل...