في الذكرى السنوية الأولى لغياب القائد الناصري عمر حرب . اكتب هذه الواقعة عن روح التنظيم الذي جمعني والآلاف بالأخ عمر ابو حسين حرب .. والتي سينشرها الاخ جمال حرب في كتابه الذي ينشره على موقعه على حلقات كسيرة ذاتية عن البطل الذي يشكل الشجاعة والقوة والإيثار والتضحية
هنا اعتمد ما كتبه الاخ العزيز سعيد ايوب ، المناضل الذي كان يسكن سيارته يذرع فيها طرقات لبنان واحياناً كثيرة ، يجول بين الحقول والسهول وبين الأودية والجبال ، ليحضر اجتماعات تنظيمية للطليعة في البقاع وفي الشمال وبيروت .. الواقعة كتبتها للأخ جمال ونصحته ان يعرضها على الاخ سعيد .. فتفضل بتبنيها كتابة ووجدت انها تستحق النشر ، وها هي بنصها تؤكد ما عشناه تاركاً لرسالة الاخ سعيد التعبير عما كانت عليه الطليعة العربية
أخي جمال،
هذه الحكاية ليست تفصيلاً تنظيمياً يُضاف إلى السيرة، بل نبضُ مرحلةٍ كاملة… أمانةٌ في أعناقنا كي لا يُقال يوماً إن الرجال مرّوا ولم يُروَ عنهم حقُّهم، أو إن الأخلاق التي صنعتهم ذهبت مع الريح.
في أواخر عام 1976، وفي بيروت التي كانت تنزف آنذاك وجع الحرب والانقسام، عُقد في مقر الاتحاد الاشتراكي العربي اجتماعٌ خُصِّص لانتخاب أمين سر الطليعة في لبنان، بحضور عضوين من القيادة القومية هما أبو ربيع وأبو إياد. لم يكن اجتماعاً عادياً، بل محطةً مفصلية في زمنٍ كانت فيه المواقف تُقاس بميزان الدم والمسؤولية.
هناك، وقف الرفيقان: عمر حسين حرب وحسن صبرا، لا كمتنافسين على موقع، بل كأخوين يخشى كلٌّ منهما أن يُحمَّل ما يراه أثقل مما يستحق، ويصرّ أن الآخر أولى وأجدر.
رشّح عمر حرب حسن صبرا لأمانة السر، مؤمناً أن المرحلة تحتاج إلى فكره السياسي ورؤيته الثقافية. ورشّح حسن صبرا عمر حرب، مقتنعاً أن صلابته التنظيمية وحضوره الميداني هما صمّام الأمان في تلك اللحظة الدقيقة. لم تكن مجاملاتٍ عابرة، بل قناعةٌ عميقة، واحترامٌ صادق، وثقةٌ متبادلة صنعتها سنوات النضال المشترك.
طال النقاش… وأُعيد الانتخاب أكثر من مرة. وفي كل مرة، كان المشهد يتكرر بإصرارٍ نادر:
يصوّت حسن لعمر، ويصوّت عمر لحسن.
كأنّ كلًّا منهما يقول بصمتٍ نبيل: “هو أولى مني… وهو الأجدر.”
لم يكن ذلك عناداً، بل تواضعاً كبيراً لا يعرفه إلا من تربّى على أن القيادة تكليفٌ ثقيل، لا امتياز.
كان عمر وحسن “يتدافعان “نحو تحمّل المسؤولية لا نحو تحصيل اللقب، ويتسابقان في تقديم الآخر لا في إقصائه.
وأمام هذا المشهد الأخلاقي الذي يندر في العمل العام، حُسم الأمر بإعلان عمر حرب أمين سر الطليعة في لبنان، وبالتالي أمين سر الاتحاد الاشتراكي العربي في لبنان. لم يخرج منتصراً على رفيقه، بل خرج محمولاً بثقة رفيقه، ومسنوداً بإجماعٍ صادق لا لبس فيه.
تلك اللحظة يا جمال تختصر معنى الطليعة كما كانت…
رجالٌ يختلفون في الرأي، لكنهم يتفقون على الشرف.
رجالٌ يخافون من المسؤولية لأنها أمانة، لا يلهثون خلفها لأنها سلطة.
رجالٌ إذا ذُكر أحدهم، حضر الآخر في القلب قبل الاسم.
رحم الله عمر… فقد كان كبيراً حين رُشّح، وأكبر حين أصرّ أن غيره أحقّ.
ورحم الله زمناً كان فيه الرفاق يتنازعون على من يخدم أكثر، لا على من يتقدّم أكثر.


