حضر الرئيس جمال عبد الناصر حفل افتتاح الكاتدرائية، ودعا له إمبراطور الحبشة هيلاسيلاسى، حيث كان الرئيس يؤمن بأن امتداد الكنيسة المصرية فى أفريقيا وإشرافها على الكنيسة الإثيوبية يعزز من البعد الأفريقى لمصر الذى تحدث عنه عبد الناصر فى كتابه فلسفة الثورة.
وشارك إمبراطور إثيوبيا البابا والرئيس عبد الناصر فى إزاحة الستار عن اللوح التذكارى لبناء الكاتدرائية.
كان الرئيس عبد الناصر يشعر بآلام فى ساقه، ولاحظ البابا كيرلس ذلك، فمال على أذن الرئيس وسأله “لماذا لم تطلب منا أن نؤجل حفل الافتتاح؟”، ورد الرئيس جمال عبدالناصر: “لا أنا مسرور هكذا”.
يروى الكاتب الصفحى الراحل محمود فوزى فى كتابه “البابا كيرلس السادس وعبد الناصر”، والكلام لا يزال على لسان كامل، أن البابا كيرلس السادس زار الرئيس ذات يوم فى منزله، فجاء إليه أولاده وكل منهم معه حصالته، ثم وقفوا أمامه، وقال له الرئيس “أنا علمت أولادى وفهمتهم إن اللى يتبرع لكنيسة زى اللى يتبرع لجامع.. والأولاد لما عرفوا إنك بتبنى كاتدرائية صمموا على المساهمة فيها.. وقالوا حنحوش قرشين، ولما ييجى البابا كيرلس حنقدمهم له.. وأرجو ألّا تكسفهم وخذ منهم تبرعاتهم”، فأخرج البابا كيرلس منديله ووضعه على حجره ووضع أولاد عبد الناصر تبرعاتهم، ثم لفها وشكرهم وباركهم.
عندما أعلن الرئيس الراحل خطاب التنحى فى 8 يونيو 1967، توجه البابا كيرلس إلى منزله بمنشية البكرى بصحبة ثلاثة مطارنة ونحو خمسة عشر كاهنا، وعندما وجدوا طوفان البشر محيطا بمنزل الرئيس، صدرت التعليمات من رئاسة الجمهورية أن تقوم سيارة بفتح الطريق أمام سيارة البابا.
وعندما دخل المنزل قال “أنا عايز أقابل الريس”، فأخبروا الرئيس برغبة البابا فى مقابلته، فتحدث إليه فى التليفون قائلا: “أنا عمرى ما اتأخرت عن مقابلتك فى بيتى فى أى وقت… لكنى عيان والدكاترة من حولى”، فقال له البابا “طيب عاوز أسمع منك وعد واحد”، فرد عليه الرئيس “قل يا والدى”، فقال له البابا “الشعب بيأمرك أنك ما تتنازلش”، فرد عليه الرئيس “وأنا عند الشعب وأمرك”.
عندما توفى الرئيس عبد الناصر فى 28 سبتمبر 1970، أصدر قداسته بيانا جاء فيه “إن الحزن الذى يخيم ثقيلا على أمتنا كلها، لانتقال الرئيس المحبوب والبطل المظفر جمال عبد الناصر، إلى عالم البقاء والخلود، أعظم من أن يعبر عنه أو ينطق به، إن النبأ الأليم هز مشاعرنا جميعا ومشاعر الناس فى كل الشرق والغرب بصورة لم يسبق إليها.. ونحن لا نستطيع أن نصدق أن هذا الرجل الذى تجسدت فيه آمال المصريين يمكن أن يموت.. إن جمال لم يمت ولن يموت، إنه صنع فى نحو عشرين سنة من تاريخنا ما لم يصنعه أحد من قبله فى قرون.. وسيظل تاريخ مصر وتاريخ الأمة العربية إلى عشرات الأجيال مرتبطا باسم البطل المناضل الشجاع، الذى أجبر الأعداء قبل الأصدقاء على أن يحترموه ويهابوه، ويشهدوا أنه الزعيم الذى لا يملك أن ينكر عليه عظمته وحكمته”.


