ما جرى على شاطئ بوندي في أستراليا ليس حادثاً أمنيّاً عابراً، ولا يمكن اختزاله في توصيفٍ تقنيّ من نوع “إطلاق نار” أو “خلل أمني”. نحن أمام فِعلٍ عُنفِيٍّ سياسيّ، استهدف تجمُّعاً دينيّاً علنيّاً، وفي مناسبةٍ ذات رَمزيّةٍ روحيّةٍ، داخل دولةٍ تُقدَّم للعالم على أنّها نموذج للاستقرار والتعدُّديّة والأمان.
إنّ استهداف المدنيّين، لا سيّما ضمن احتفالٍ دينيّ، يعني بوضوح أنّ الجريمة لم تكن موجَّهة إلى أفرادٍ بأسمائهم، بل إلى الهُويّة بوصفها هُويّة، وإلى فكرة التعايش نفسها. هنا، لا يعود الدمُ مسألةً جنائيّة فحسب، بل يصبح رسالةً سياسيّةً مُعلَنة.
كسر وهم الدولة المحايدة….
لطالما اعتقدت دولٌ كثيرة أنّها، بحكم بعدها الجغرافي، أو تشدّد قوانينها، أو حيادها السياسي، محصَّنة من العنف المُنظَّم. ما حصل في بوندي ينسف هذا الوهم. فالعالم اليوم يعيش مرحلة تدويل الكراهية، حيث تنتقل الصراعات من ساحات الحرب إلى الفضاءات المدنيّة، ومن الجبهات إلى الشواطئ والساحات العامّة.
إنّ تحويل أماكن الفرح إلى مسارح قتل ليس صدفة، بل اختيارٌ مقصود، لأنّه يضرب الإحساس الجمعيّ بالأمان، ويزرع الخوف في الحياة اليوميّة، ويُبلِغ الجميع أنّ لا مكان “محايداً” بعد الآن.
الأقليّات بين المطرقة والسندان…
إذا أثبتت التحقيقات أنّ الاستهداف جاء بدافع الكراهية الدينيّة أو العِرقيّة، فنحن أمام تطوّر بالغ الخطورة، تجريم الوجود لا السلوك. حين يُقتَل الإنسان بسبب ما هو عليه، لا بسبب ما فعله، فهذا يعني أنّ المجتمعات بدأت تنزلق نحو سياسة الإلغاء، حيث يصبح الاختلاف سبباً كافياً للعقاب.
وهنا لا بدّ من القول بوضوح، لا عدالة في تبرير القتل، ولا أخلاق في تسييس الدم. فمواجهة الكراهية لا تكون بكراهية مضادّة، بل بكشف المنابع التي غذّتها، سواء جاءت من خطابٍ إعلاميٍّ مُسمِم، أو من تحريضٍ سياسيٍّ انتهازيّ، أو من صمتٍ رسميٍّ جبان.
من يقف خلف الرسالة؟
من غير الجائز، أخلاقيّاً وسياسيّاً، توجيه الاتهام إلى جهةٍ بعينها قبل صدور نتائج رسميّة. لكن من المشروع قراءة السياق. هناك عالمٌ مأزوم، مشحون، تُستَخدم فيه الهُويّات وقوداً للصراعات، ويُدفَع فيه الأفراد نحو التطرّف تحت عناوين كبرى.
سواء كان الفعل عملاً فرديّاً مُتطرّفاً، أو نتيجة شبكات كراهية منظَّمة، أو انعكاساً غير مباشر لصراعات دوليّة، فإنّ الحقيقة واحدة: البيئة العالميّة باتت تُنتِج قتلةً أكثر ممّا تُنتِج حلولاً.
امتحان الدولة والمجتمع، نعم الدولة الأستراليّة، كما غيرها من الدول، اليوم أمام امتحانٍ حقيقيّ…
إمّا مواجهة جذور الكراهية بلا ازدواجيّة ولا انتقائيّة،
وإمّا الاكتفاء بخطابات الإدانة، بانتظار مجزرةٍ أخرى.
الأمن لا يُختَزل بالإجراءات، بل يُبنى بثقافةٍ سياسيّةٍ واضحة، تقول إنّ الإنسان أوّلاً، وإنّ الاختلاف لا يُواجَه بالرصاص، بل بالقانون، والوعي، والعدالة.
ما حدث في بوندي ليس شأناً محلّيّاً، ولا يخصّ جماعةً بعينها. إنّه إنذارٌ عالميّ بأنّ العالم يسير نحو مرحلةٍ خطِرة، تُمحى فيها الحدود بين السياسة والعنف، ويُعاد فيها تعريف “المدنيّ” كهدفٍ مشروع.
السؤال الجوهريّ لم يعد مَن أطلق النار؟
بل مَن شرعن الكراهية؟ ومَن صمَت عنها؟ ومَن تركها تكبر حتّى صارت مجزرة؟


