لا يخفى على أحد أهمية الثقافة في حركة المجتمع ، فهي التي تحرك كل عجلاته على كافة الأصعدة .. فمن ينسى أن الفيلسوف هيغل في مسرحية ” السيد والعبد ” كان وراء فكرة الاشتراكية ، وما أُسِّسَ أي نظام إلا نتيجة تطبيقه لأفكار فيلسوف أو نبي ، فالنظام الشيوعي قام بناءً على ما جاء في كتاب ” المادية والتاريخ ” لكارل ماركس .
وما العنصرية التي سادت ألمانيا خاصة زمن هتلر ولعبت دوراً في العالم وفي تغيير خارطة الشرق الأوسط إلا مستمدة تصرفاتها من نظريات نيتشه القائمة على فرض القوة الفردية والسيطرة وازدراء الضعفاء ، ولا يمكن تحديد عمر الدولة التي تبنى على فلسفات إلا من خلال متانة هذه الفلسفات وتآخيها مع المبادئ الإنسانية التي أقرتها الشرائع السماوية ، فكلما ابتعدت عنها كلما جاءت بشرور ، فطرحت ثمارها المؤذية في العالم وباءت عليه حروباً ودماراً .
فإذا قارنا الظروف السياسية والاجتماعية والنفسية التي أحاطت بالفيلسوف نيتشه ، وبظروف الشاعر العربي المتنبي لوجدنا بينهما تشابهاً من حيث الفاعلية النفسية لا من حيث التشابه الحدثي ، فالاثنان خارجان من الرفض والاثنان استمرا في التحدي حتى آخر العمر ، المتنبي العربي كان مثالاً في رفضه للمظالم القائمة في عصره وما انتمائه للقرامطة إلا دليل واضح على ذلك ، ونيتشه الألماني كان رافضاً للضعف وللمرض الذي انتابه وأوقف عطاءه الوظيفي في الجامعة وداعياً الى فلسفة القوة .. فإذا ألقينا لمحة خاطفة عن ظروف الإثنين لوضحت الصورة أكثر .
يملك المتنبي شخصية قوية متماسكة تريد أن تلتمس السعادة والعزة في حياة اليأس والفتك وعاش عصر ساده التوتر وشهد الحركات التي تدعو الى قلب النظام من هذه الحركات حركة الحشاشين وحركة الخوارج وحركة القرامطة التي تجاوز انتمائه إليها الى الجهر صراحة بها ، وكان ينفي الدين والسلطان والنظام والناس ، ولم يكن يرى إلا نفسه فلم يكن قرمطياً فحسب ، بل كان داعياً من دعاة الفوضى وصورة من صورها .
ومن المعروف أن القرامطة كانوا يعتدون على الحجاج وفي سنة 317 دخلوا مكة ونهبوا أموال الحجاج وقتلوا منهم خلقاً كثيراً وملأوا بئر زمزم بالجثث ، واقتلعوا الحجر الأسود من الكعبة وأخذوه وبقي عندهم 22 سنة ، وكان المتنبي من غلاة الشيعة وشاعر ملي حلت فيه الأفكار المذهبية ، ويؤمن بالحلولية وكان يرى أن أبا الفضل مَلَك قد صُفي جوهره من ذات ذي الملكوت ، أي أن روحه قبس من ذات الله وأن هذا القبس نور لاهوتي قد استقر بصاحبه فكاد يظهره على الغيب فهو يقظان يرى الله ، وهذا الكلام وحده إثبات صريح في انحراف المتنبي عن الجادة الدينية ، واندفاعه الى لون من ألوان الفلسفة التي هي الى الإلحاد أقرب منها .
وكان نيتشه يعتبر أن كل فيلسوف ما أن يبرز حتى يدخل في منافسة جذرية للنموذج المثالي للملة ، ويكون دائما نابتة والنابت ( أي ذو طبع نبيل وثقافة وتربية جيدة ) وكذلك كان المتنبي ، فإذا أمعنا النظر نجد أن فلسفة زرادشت منبع للإثنين معاً أي المتنبي ونيتشه ، ونجد فيها روح الفيلسوف منذ أن بارح أفق الفرس الى أفق العرب ثم الى أوروبا ، فلا يهم إن كانت مسيحية أو كانت إسلامية ، وفي هذا المجال نجد أن نيتشه يقول : ” أن الانسان لا يصبح شخصاً بالمعنى الجذري إلا نادراً ، وذلك يعني أن ” الهو ” الفلسفي لا يولد في أعماق فكر ما إلا متى قطع شوطاً هائلاً من التحولات .
وهذه التحولات التي عرض نيتشه حركتها العامة في حديث التحولات الثلاثة إذ قال : ” إن الهو الفلسفي هو مقام الطفل التي استبدلها بنعم جذرية إزاء العالم ، وعندما نطرح السؤال التالي : هل زرادشت فيلسوف ملة في أفق الحداثة ؟ نجد أنفسنا نتأخى من نيتشه في سؤاله : من هو زرادشت وكيف تكلم ؟ فزرادشت ليس نبياً ولا حكيماً ، إذن هو فيلسوف ملة لعب دورً في الثقافة العالمية قديماً وحديثاً . ونيتشه الداعي لإنسان أسمى بالمعنى الأخلاقي ، وليس الجسدي في كتابه هكذا تكلم زرادشت حيث يقول نيتشه : ” إن موت الإله هو موت المسيحية التي يعتبرها أخلاقا للضعفاء .
وزرادشت – نيتشه حين يبلغ الثلاثين يصعد الى الكهف ليتأمل وينضج ويزداد حكمة وكأنه مسيح مضاد ( المسيح قد صُلب في هذه السن تقريبا ) ، وهو في بحثه عن الحكمة في الكهف ، كأنه أفلاطون مضاد ، لأن كهف أفلاطون رمز للعالم الحسي غير الحقيقي وهو حين ينزل من الكهف الى الناس ليعلمهم ، كأنه فيلسوف مضاد أيضاً ، فنيتشه الفيلسوف هو الفيلسوف الذي يتجلى من خلال مبحثين متجذرين ، مبحث الملة ومبحث الوحدة وهذان المبحثان قائمان في مؤلفاته منذ مولد كتابه ” التراجيديا البوذية ” الى كتابه الثاني ” هذا هو الانسان “.


