الثلاثاء، 21 يوليو 2026
بيروت
33°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

طوني وحسن… من الخوف إلى المحبّة

لا ينسى حسن أول زيارةٍ لطوني إلى حيّ السلم في الضاحية الجنوبية. يومها، كان الهدف بسيطًا جدًا: أن يوصله طوني إلى وادي شحرور، لأن حسن لم يكن يملك سيارة. قال له طوني بعفويته المعتادة: “ما تهكّل هم… أنا بجيبك، بس من مفرق كفرشيما.”

كان حسن يعرف أنّ خلف هذا الاقتراح شيئًا أعمق من مجرد تحديد مكانٍ للقاء. فالحرب الأهلية المشؤومة، وما زرعه السياسيون في النفوس من خوفٍ متبادل، جعلت اللبناني يخاف أخاه اللبناني؛ المسيحي يتردد في دخول المناطق الشيعية، والشيعي يخشى مناطق المسيحيين، وكذلك الدرزي والسني… كأن الوطن الواحد تحوّل مع الزمن إلى جزرٍ خائفة من بعضها. ولعلّ هذا الشعور تحديدًا، كما يقول حسن، كان من الأسباب التي دفعته لاحقًا للعمل على مدّ الجسور وتمتين روابط الوحدة بين اللبنانيين.

استوقفه كلام طوني، فسأله بهدوء: “ولِمَ لا تدخل إلى حيّ السلم؟” ضحك طوني ضحكةً حاول أن يخفي فيها ارتباكه، لكن الخوف كان أوضح من أن يُخفى، وقال بسرعةٍ وتلعثم: “لا لا لا… غير مرّة إن شاء الله… غير مرّة.” عندها أدرك حسن أنّ شيئًا غير مرئي يمنعه من الدخول؛ ليس الحيّ نفسه، بل تلك الصور الثقيلة التي علّقتها الحرب داخل العقول.

انتظره عند جسر كفرشيما، وما إن وصل حتى قال له: “طوني… نسيت غرضًا في البيت، ممكن نروح أنا وإياك نجيبه؟”
في الحقيقة، لم يكن هناك غرضٌ منسيّ. كان حسن يبحث فقط عن ذريعةٍ صغيرة يأخذ بها صديقه نحو الضاحية، ليريه أنّ الناس هنا يشبهون الناس هناك، وأن الخوف أحيانًا يكون أكبر من الحقيقة.
أجابه طوني باندفاعٍ لا يخلو من التردد: “أكيد… إذا بدّك يعني… إذا مضطر… طيب ما مشكلة.”
ابتسم حسن وقال: “طبعًا مضطر.” ودخلا إلى الضاحية.

وهنا كانت الصدمة. ناسٌ عاديون، بيوتٌ متواضعة، أحياءٌ شعبية، وطرقاتٌ متعبة تشبه تعب أهلها. لا وحوش كما صوّرت السياسة، ولا مدن مغلقة كما رسم الخوف في الخيال.

تعمد حسن أن يتوقف في أكثر من محطة، يعرّف الناس إلى “الضيف العزيز”. وفي كل مرة، كانت العبارات نفسها تتكرر بعفويةٍ صادقة: “يا هلا… تفضل… أهلا وسهلا… نوّرت بيتك وأرضك ومحلك.”
كلماتٌ بسيطة، لكنها كانت تهزّ شيئًا عميقًا داخل طوني. اندهاشٌ ممزوج بالفرح، وبشيءٍ من الحزن أيضًا؛ حزن السنوات التي ضاعت بين اللبنانيين بسبب الخوف المتبادل.
وبعد جولةٍ طويلة، التفت طوني إلى حسن وقال بصوتٍ خافت كأنه يراجع عمرًا كاملًا من الصور المكسورة: “معقول كل هالفترة كنّا نخاف من ناس بهالطهارة؟”
ابتسم حسن بحسرة العارف، وأجابه: “طوني… أغلب الشعب اللبناني طاهر ومحب… بس يِحلّوا عنّا السياسيين.”
وبعد أكثر من خمس ساعاتٍ قضاها حسن وطوني في أحياء الضاحية الجنوبية، بين الناس والبيوت والمشاهد التي بدّدت كثيرًا من الصور القديمة في ذهن طوني، انتهت الجولة عند لحظةٍ مختلفة تمامًا عمّا بدأت به.
فقد رفض طوني أن يُعيده حسن إلى مفرق كفرشيما، كما كان في البداية، وقال بثقةٍ امتزجت فيها البساطة مع يقينٍ جديد: “بروح لحالي… من شو بدي خاف؟ هون الناس متلنا متلن، كلّن محبّين، وكلّن عندن نخوة.”
كانت الجملة أقصر من كل الشكوك التي عاشها طويلاً، لكنها بدت كأنها تختصر رحلة عمرٍ من الخوف إلى الاطمئنان.
عاد طوني وحده إلى بيته، لكنّه لم يعد كما كان قبل تلك الزيارة. شيئٌ ما تغيّر في الداخل؛ كأنّ الضاحية لم تعد مكانًا غريبًا، بل صارت جزءًا من خريطة القلب.
ومع الأيام، لم تبقَ تلك الزيارة حدثًا عابرًا، بل تحوّلت إلى موعدٍ شبه يومي. صار طوني يتردّد إلى الضاحية كما لو أنّه يعود إلى مكانٍ يعرفه منذ زمن، وتوسّعت دائرة معارفه هناك، فالتقى أصدقاء جدداً، وفتح له الناس بيوتهم وقلوبهم، كما هي عادة اللبنانيين حين تسقط عنهم طبقات الخوف المصطنع.
وهكذا، لم يعد طوني غريبًا عن المكان، كما لم يعد المكان غريبًا عنه. صار يعرف أسماء الوجوه، وتفاصيل الأزقة، ونبض الحياة اليومية، حتى بدا وكأنّه جزءٌ من نسيجها الطبيعي.
وكان حسن يراقب هذا التحوّل بصمتٍ ممتلئ بالمعنى، كأنّه يرى لبنان الحقيقي يتشكّل أمامه من جديد؛ لبنان الذي يشبه إنسانه البسيط، لا صورته في الخطابات.
وهكذا، من زيارةٍ خجولة بدأت بالخوف، وُلدت علاقةٌ أوسع من الجغرافيا: صداقةٌ صارت تشبه جمال لبنان حين يكون على طبيعته الأولى… بلا حواجز، بلا أوهام، وبقلبٍ واحدٍ يتّسع للجميع.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حين امتدّت الرحمة إلى الكائنات الصامتة... كيف غيّرت الحرب نظرة اللبنانيين إلى الحيوانات الشاردة؟

لم تعد مشاهد الشبان والفتيات وهم يحملون أكياس الطعام أو أوعية المياه بحثاً عن قطط وكلاب شاردة في شوارع الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت أمراً استثنائياً. فمنذ الحربين...

نجميات

لأن الصدق مع النفس اهم ما يتحلى بهِ الانسان ، فلا تبحث عن مكانتك بين الناس ، فصدقك يُحدد مكانتك : ** ان العقل الذي لا يراجع افكارهُ ، يُشبه ساعة متوقفة عن الحركة وتريد ان تحدد...

نجميات من مكة المكرمة

ينتابك الاحساس في بيت الله ، ان اقرب الناس إلى الله هم اكثرهم رحمةً بعباده ** وانت في مكة تشعر ان إيمانك يمنحك قوة تُحررك من كل شرور الدنيا : ** يتأكد لديك – في مكة –...

جيهان خليل تشيد بأداء منتخبي المغرب ومصر: ربنا يديم المحبة بين الشعبين

أعربت الفنانة المغربية جيهان خليل عن سعادتها الكبيرة بالمستوى الذي يقدمه منتخبا المغرب ومصر رغم صعوبة المواجهات المقبلة، مشيرة إلى أن قرعة البطولة وضعت المنتخبين أمام منافسين من...

نجميات

لا يعرف الإنسان إلى اين ستقودهُ طموحاته مستقبلاً ، لأن من طبيعتهِ التغير ، حتى وان اعتقد بأنهُ ثابت : ** من يتعامل مع الحياة بمرونةٍ يقترب من تحقيق ما يطمح اليه ، لأن من يتصلب...

نجميات

ما من انسانٍ يُعرف قبل ان يخوض غُمار الحياة ، لذلك فهو لا يختار ان يكون حُراً لأنهُ لا يستطيع ان يكون غير ذلك : ** الحرية ليست امتيازاً بل انها عبءٌ دائم ، والهرب منها شكل آخر من...