في كل صيف، تمتلئ الجامعات والمعاهد بصور التخرّج. مئات الشابات والشباب يرفعون شهاداتهم بفخر، وأهل يبتسمون بعد سنوات من التعب والسهر ودفع الأقساط. مشهد جميل، لكنه يخفي سؤالاً موجعاً: ماذا بعد التخرّج؟
هل تكفي الشهادة؟ هل يكفي التفوق؟ وهل يفتح الامتياز أبواب العمل، أم أن الطريق في لبنان وطرابلس تحديداً بات يحتاج إلى حرف واحد: “و”… أي الواسطة؟
كثير من الخريجين يبدأون بعد التخرج رحلة أصعب من الدراسة نفسها: البحث عن فرصة عمل. يرسلون سيرهم الذاتية، ينتظرون اتصالاً، يطرقون أبواب المؤسسات، لكن الجواب غالباً يكون: “بدنا خبرة”. غير أن الوجع الأكبر ليس في طلب الخبرة فقط، بل في أن بعض الوظائف تُحسم قبل أن تُعلن، ويفوز بها من يملك توصية أو دعماً أو “ظهراً”.
تقول أم احمد من طرابلس، وقد عاشت سنوات من التقشف لتعليم ابنتها:
“بنتي تخرّجت وقلبي كان طاير من الفرح. قلنا صار معها شهادة وبتوقف على إجريها. بس لما بلّشت تفتش على شغل، اكتشفنا إنو الشهادة لحالها ما بتكفي. كل باب بدو حدا يفتحلو من جوّا. بنتي معها شهادة، بس ما معها ظهر.”
هذه العبارة تختصر وجع بيوت كثيرة. فالخريج لا يرفض العمل، والشابة لا تهرب من المسؤولية، لكن كثيرين لا يُمنحون حتى فرصة المحاولة العادلة. يصبح السؤال قاسياً: هل المشكلة أن الخريج لا يملك خبرة، أم أنه لا يملك واسطة؟
أم سمير، والدة شاب تخرج حديثاً، تقول بحرقة:
“دفعنا دم قلبنا. حرمنا حالنا من كتير شغلات كرمال يتعلم. قلنا الشهادة بتحميه وبتفتحلو باب. بس هلّق صار قاعد بالبيت، وكل ما يقدّم على شغل بيطلع بدها واسطة. يعني تعبنا وتعبو وشهادتو كلهم ما بيكفّوا إذا ما معنا حدا؟”
في بيوت كثيرة، تتحول الشهادة الجامعية إلى لوحة على الجدار. يراها الزائرون ويباركون، فيما يبقى صاحبها عالقاً بين طلبات العمل والانتظار والخيبة. وفي المقابل، يسمع أن فلاناً توظف لأنه “مدعوم”، وفلانة دخلت لأن “وراها حدا”، وآخر سبق الجميع لأن اسمه وصل قبل شهادته.
الواسطة لا تسلب الوظيفة فقط، بل تسلب الثقة. حين يرى الشاب أن غيره تقدّم عليه لا لأنه أكفأ، بل لأنه أقرب إلى صاحب قرار، يبدأ بفقدان إيمانه بالعدالة. وحين تشعر الشابة أن شهادتها لا قيمة لها أمام اتصال هاتفي من نافذ، تولد الخيبة في داخلها.
نعم، الخبرة مطلوبة، لكن الخبرة تُكتسب إذا فتحت المؤسسات أبواب التدريب والعمل. المشكلة أن “الخبرة” تتحول أحياناً إلى حجة ظاهرية، بينما القرار الحقيقي يكون في مكان آخر. يُقال لشاب: لا تملك خبرة، ثم يدخل غيره بلا خبرة لأنه مدعوم. وتُقال لشابة: سنراجع طلبك، ثم يُنسى الطلب لأن الاسم لا يقف خلفه أحد.
طرابلس لا تحتاج إلى صور تخرّج فقط، ولا إلى خطابات عن دعم الشباب. تحتاج إلى خطة تشغيل حقيقية، إلى مكاتب توظيف شفافة، إلى دورات تدريبية جدية، وإلى مؤسسات تعلن وظائفها بوضوح وتختار على أساس الكفاءة لا المحسوبيات.
الشباب لا يريدون صدقة. يريدون فرصة.
لا يريدون منّة. يريدون عدالة.
لا يريدون باباً خلفياً. يريدون باباً مفتوحاً للجميع.
المؤلم أن الشباب يتحولون أحياناً إلى مادة انتخابية. تكثر الوعود في المواسم، وتُفتح المكاتب عند الحاجة، ثم بعد انتهاء الاستحقاقات تخف الحركة وتبقى البطالة كما هي.
الحل يبدأ بالاعتراف أن الواسطة صارت كارثة اجتماعية. يبدأ حين يصبح القانون أقوى من العلاقة، والكفاءة أقوى من الاتصال الهاتفي، والشهادة أقوى من “الظهر”. يبدأ حين يعرف كل خريج لماذا قُبل أو رُفض، وحين تُعطى الفرصة الأولى لمن تعب وتعلّم واجتهد.
هذه صرخة من قلب المدينة. صرخة أم تعبت، وأب دفع، وشاب انتظر، وشابة حلمت. طرابلس لا ينقصها المتعلمون، ولا المتفوقون، ولا أصحاب الكفاءة.
طرابلس ينقصها عدل.
فهل يسمع المعنيون قبل أن تصبح شهادات الامتياز مجرد أوراق معلّقة على الجدران، وقبل أن يصبح حلم الشباب كله معلّقاً على حرف واحد: الواو؟


