كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، في تقرير للصحفي رونين بيرغمان، أن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مارس ضغوطًا على الجيش الإسرائيلي، وأجهزة الاستخبارات للتوقيع على وثيقة تفيد بتدمير القدرات النووية الإيرانية، رغم أن التقييمات الأولية في “إسرائيل”، المستندة إلى معلومات استخباراتية من الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وغيرها، خلصت إلى أن الأضرار كانت جسيمة ،لكنها لم تكن كاملة، ولم تصل إلى مستوى التدمير.
وبحسب التقرير، رفضت شعبة الاستخبارات العسكرية، التي تعرضت لانتقادات حادة بعد أحداث السابع من أكتوبر، وتدرك هشاشة ثقة الجمهور بها، التوقيع على الوثيقة. وعندها تدخّل العميد (احتياط) موشيه أدري، المدير العام للجنة الطاقة الذرية، الذي سبق أن شغل مناصب رفيعة في سلاح الجو ورئاسة شعبة الوسائل الخاصة في هيئة العمليات، على الرغم من أنه ليس عالمًا في المجال النووي ،ولا محللًا متخصصًا في تقييم أضرار المعارك، وتولّى مهمة إعداد الوثيقة.
لكن “أدري “لم يرغب في أن يكون الموقّع الوحيد عليها، فدعا إلى اجتماع ضم عددًا من كبار مسؤولي لجنة الطاقة الذرية، وعرض عليهم الوثيقة، طالبًا من كبير العلماء في اللجنة، وهو أعلى سلطة علمية في “إسرائيل” في شؤون الأسلحة النووية، إلى جانب مسؤولين كبار آخرين، المصادقة على نصها.
وبحسب شخص اطّلع على ما جرى في الاجتماع، قرأ كبير العلماء والمسؤولون الآخرون الوثيقة وأبلغوا أدري أنهم لا يستطيعون بأي حال من الأحوال التوقيع على نص “مشوَّه بصورة كبيرة على الأقل”. كما رفض العلماء التوقيع على وثيقة تصوّر الضربة التي استهدفت منشأة “فوردو” ،على أنها جعلت الموقع غير صالح للاستخدام، وأنها أخّرت القدرات النووية الإيرانية “لسنوات طويلة”.
ويضيف التقرير أن “أدري “لم يستسلم، بل واصل الضغط إلى أن جرى التوصل إلى صيغة وسط قال العلماء إنهم يستطيعون التعايش معها. ونصت الوثيقة باللغة الإنجليزية على أن “الهجوم الأمريكي المدمر على فوردو دمّر البنية التحتية الحيوية للموقع وجعل منشأة التخصيب غير قابلة للاستخدام، وأن الهجمات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية، إلى جانب الهجمات الإسرائيلية على مكونات أخرى من البرنامج النووي العسكري الإيراني، أخّرت قدرة إيران على تطوير أسلحة نووية لسنوات عديدة”. وعلى الرغم من أن الوثيقة لم تؤكد التدمير الكامل للمواقع الثلاثة ،كما ادعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإنها خدمت رواية الإدارة الأمريكية، كما انسجمت مع رواية نتنياهو بشأن تحقيق إنجاز يمتد أثره “لأجيال”.
وأشار بيرغمان إلى أنه عندما شنت “إسرائيل” هجومها على إيران عام 2025، ادعى نتنياهو أن القرار جاء بعدما أصبحت إيران على وشك إنتاج أول قنبلة نووية، إلا أن هذه المزاعم، على الرغم من تبني كبار قادة الجيش لها، اختلفت بصورة كبيرة عن التقديرات الاستخباراتية السائدة آنذاك.
وأضاف التقرير أنه، خلافًا لتصريحات نتنياهو، التي أيّدها رئيس الأركان إيال زامير وتحدث فيها عن “خطر الإبادة النووية”، فإن الشخص الوحيد القادر على إصدار أمر بصنع قنبلة نووية في إيران كان هو المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، ولم تكن لدى الاستخبارات الإسرائيلية في ذلك الوقت أي معلومات مؤكدة تفيد بأنه أصدر مثل هذا الأمر، بل على العكس، فقد واصل سياسته الصارمة بعدم إعطاء أي تعليمات بهذا الشأن.
ونقل التقرير عن ضابط رفيع في شعبة الاستخبارات قوله: “عندما يعلن نتنياهو أننا أزلنا التهديد الوجودي المزدوج، النووي والصاروخي، فإن المؤسسة الأمنية تعلم أنه يكذب. الجميع يعلم أن الجزء الأهم، وهو المواد النووية، لم يمس، أما بقية أجزاء المشروع فلم يُدمَّر أي منها بشكل كامل، وبالتأكيد ليس بصورة نهائية، لا في الصواريخ ولا في المجال النووي ولا في أي شيء آخر، وبالتأكيد ليس لأجيال قادمة. لقد كانت كذبة بكل بساطة، وكان نتنياهو يعلم أنها كذبة”.
وأوضح التقرير أن البيان الرسمي الصادر عن مكتب رئيس الوزراء صيغ بطريقة توحي بأن رؤساء المؤسسة الأمنية، وزير الحرب ورئيس الأركان ورئيس الموساد، يؤكدون أن “إسرائيل” حققت جميع أهداف العملية بل وتجاوزتها. وأدى جمع أسماء كبار قادة المؤسسة الأمنية في البيان، إلى خلق إجماع وطني زائف حول عبارة “لقد أزلنا”، في حين قوبلت هذه التصريحات بصدمة داخل أروقة أجهزة الاستخبارات، بينما التزم الجيش الصمت ،ورفض الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالقضية، ولا يزال يرفض ذلك حتى اليوم.
وفي سبتمبر/أيلول 2025 اكتمل تحليل تقييم الأضرار الناجمة عن قصف المنشآت النووية الإيرانية، وتبيّن أن تلك المنشآت تضررت لكنها لم تُدمَّر، وأن المشروع النووي تراجع لبضعة أشهر فقط، وليس “لأجيال وأجيال” كما وعد نتنياهو. إلا أن الجيش الإسرائيلي اختار إخفاء نتائج التقييم عن الجمهور، ويقول البعض إن ذلك جاء تحت ضغط من المستوى السياسي، فيما يرى آخرون أنه كان بدافع الخشية من “آلة التحريض والتشويه”.
ومع اقتراب جولة القتال الثانية، وفي خضم المحاولات لحشد الرئيس ترامب لخوض حرب جديدة أكبر وأكثر قوة، عادت خطة إسقاط النظام الإيراني إلى طاولة النقاش. ورغم أن شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) لم تغيّر موقفها الرافض للخطة، فقد عُرض على ترامب تصور يقضي بأنه بعد مئة ساعة من القصف الجوي المشترك، الذي سيُقضى خلاله على المرشد الأعلى والقيادة الإيرانية، ستبدأ حملة يقودها الموساد، تشمل توغلًا كرديًا، وإطلاق حملة تأثير إعلامي ونفسي واسعة النطاق، وقصف أهداف تابعة لقوات الباسيج وأجهزة الأمن الداخلي الأخرى، واستهداف قطاع الطاقة الإيراني، وشل شبكة الكهرباء، تمهيدًا لخروج الجماهير إلى الشوارع.
ورغم التقييم الاستخباراتي القاطع بأن الخطة غير قابلة للتنفيذ، اختار الجيش الإسرائيلي عدم مواجهة القيادة السياسية، بل أعاد تعريف الهدف على أنه “تهيئة الظروف العسكرية التي تتيح إسقاط النظام”، وهي الصيغة التي استخدمها المتحدث باسم الجيش في الليلة الأولى من الجولة. وعندما اتضح لاحقًا أن الخطة انهارت كما كانت أجهزة الاستخبارات قد توقعت وحذرت، قال المتحدث باسم الجيش: “ليست لدينا، كجيش، مهمة إسقاط النظام الإيراني، وإنما نهيئ الظروف مع مرور الوقت، وما يفعله الشعب الإيراني متروك له”.
ويختتم بيرغمان تقريره بالإشارة إلى أن الحكومة في إيران تغيّرت في نهاية المطاف، ولكن ليس وفقًا لخطة الموساد، إذ صعد (السيد) مجتبى خامنئي إلى السلطة، وأصبح النظام الجديد، بحسب التقرير، أكثر تشددًا من سابقه، وفرض اتفاقًا سيئًا للغاية على “إسرائيل”.


