مع انتهاء مهلة الكونغرس الأمريكي لمراجعة قرار الرئيس الأمريكي الصادر في 8 تموز / يوليو القاضي برفع سورية من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرعاب، وهي مهملة تمتد ل45 يوما، تكون سورية قد خرجت نهائيا من هذا التصنيف، وما نجم عنه من قيود تجارية ومالية، ومن إعاقة لعلاقات سورية مع المنظمات الدولية والهيئات الإقليمية والشبكات المالية، والعقبات التي وضعت على دخول السوريين الى الولايات المتحدة، وكذلك من العراقيل التي وضعها ذلك التصنيف في وجه استفادة سورية من مختلف أنواع العلاقات مع الولايات المتحدة والمؤسسات والدول الخاضعة للنفوذ الأمريكي.
القرار شديد الأهمية للدولة السورية الجديدة، وهي تمر بمرحلة عسيرة في مسار التعافي الاقتصادي والاجتماعي، وتعاني من الحاجة الشديدة لمختلف أنواع الدعم الدولي الذي كان مقيدا بشدة بسبب وضعها على قائمة الدول الراعية للإرعاب منذ العام 1979.
ولهذه الأهمية فقد رحب الرئيس السوري أحمد الشرع بهذا القرار، وقال في كلمته بهذه المناسبة: “إن سورية تمزق بأيديها صفحة من ماضيها الأليم”، واصفا الحدث بأنه “خلاص من نكتة سوداء في تاريخ البلاد”، وتوجه إلى الشعب السوري قائلا: “شعب سورية العظيم، قد فعلتموها مجددا، وقد رفعتم عنكم العقوبات، وحُلًت القيود، وأسأل الله العظيم أن يعيننا على خدمتكم”.
لا يجوز تحت أي اعتبار التقليل من أهمية الحدث، إذ لم تعد هناك على المستوى الدولي، وفي إطار العلاقات الثنائية قيود تعوق انطلاق مسيرة التعافي، ولم تعد هناك حجج تستند الى عوائق خارجية تمنع أي جهة إقليمية أو دولية من مد يد العون لسورية.
إن هذا الإنجاز الذي بذل من أجله الكثير يجب أن نضعه في الإطار الصحيح حتى نعطيه وزنه الحقيقي، وحتى نقيسه بالمقياس الوطني الفاعل:
1ـ لا بد من الإدراك أن هذا التصنيف لسورية بأنها ” دولة راعية للإرعاب” إنما كان توصيفا للنظام البائد ورجالاته، وللأجهزة ولمؤسسات الدولة التي اختطفها النظام فصارت جزءا معبرا عنه، ومرتبطة به.
لكن هذا النظام سقط قبل أن يطل العام 2025، وبالتالي فإن بقاء هذا التصنيف، وتلك العقوبات لم يكن سلوكا عادلا، إذ بدا هذا الاستمرار وكأنه يشير إلى أن العقوبات كانت على الدولة والشعب السوري، وليس فقط على النظام ومؤسساته.
قد يقول البعض: إن مسار إلغاء هذا التصنيف وما ارتبط به من عقوبات احتاج إلى وقت، وفق أنظمة الدول ذات العلاقة، وهنا نتحدث عن الولايات المتحدة، وهذا تعليل قد يفهم، لكننا نثير هذه النقطة لنقول: إن ما تحصل عليه الشعب السوري، والدولة والمجتمع السوري، في رفع سورية من هذه القائمة هو حق له، وليس منة من أحد، دولة كانت أم منظمة أم جهة، توصل إليه بفعل نضال هذا الشعب، وما دفعه من تضحيات عظيمة وباهظة على كل المستويات، حتى تمكن من كنس ذلك النظام بكل أركانه ومكوناته.
هذه حقيقة يجب ذكرها في هذا المقام بالذات، ويجب أن تستقر في عمق تفكيرنا ورؤيتنا، وعلى أساسها يجب أن نمحص وندقق في الثمن الذي دفعته سورية للوصول الى هذا الحق. ولأن كثيرا مما يجري في نطاق السياسة الخارجية السورية يفتقد الى الشفافية، فإننا لا نستطيع الجزم في الأمر، لكننا نعرف إلى حد اليقين أن النظام الأمريكي ـ الراعي الرسمي للعدو الصهيوني ـ لا يهب أحدا شيئا، وليس من طبيعته أن يعيد الحقوق لأصحابها هكذا، ونعرف أيضا أن بنية النظام في سورية لم تتوفر بعد على جهات ومؤسسات تراقب وتتابع وتقًيم عمل الجهات التنفيذية، ومن هنا فإننا نقف أمام هذا الإنجاز الضروري والمهم موقف المرحب، وفي الوقت نفسه موقف المتخوف مما قد يكون قد دفع ثمنا له.
2ـ يجب الانتباه إلى أن القرار الأمريكي لا يعني أن العقبات والمشكلات الناجمة عن ذلك التاريخ من ” رعاية الإرعاب” قد سقطت. لا يعني إبطال وإلغاء وتجاوز القرارات الصادرة من المحاكم الأمريكية بحق النظام السابق ورجالاته، وهذه تتضمن غرامات وتعويضات يتجاوز مجموعها وفق تقدير خبراء 2،5مليار دولار، صدرت كلها في قضايا رفعت أمام المحاكم الأمريكية من أفراد أصيبوا بالضرر في هجمات أو إجراءات، أو تصرفات، أسندت إلى النظام البائد. أو تعويضات لأسر أفراد فقدوا في سورية، وصدرت أحكام بمسؤولية النظام البائد في ذلك.
القانون الأمريكي لا ينظر إلى تغيير النظام السوري باعتباره تغييرا للدولة، وبذلك تبقى “الدولة السورية”، وبالتالي أصولها وأموالها ومنشآتها عرضة لتدخل القضاء الأمريكي في حدود صلاحياته للحجز عليها تطبيقا للقرارات الصادرة لصالح مواطنين وجهات أمريكية.
إن هذا الوضع يتطلب من الدولة السورية، ومن الدبلوماسية السورية، ومن الشبكات المالية السورية العمل بحذر، وبيقظة دائمة، وبكثير من التنسيق مع السلطات الأمريكية، وهو سيدفع الجهات الدولية والإقليمية إلى حذر مماثل وهي تتعامل مع سورية التي نبني، ويمكن النظر إلى هذا الوضع وكأنه سيف مسلط فوق رقاب السوريين حتى يتم تجاوزه نهائيا.
3ـ وفي هذا المقام حيث الغبطة تطبع استقبال السوريين والدولة السورية للقرار الأمريكي، يجب ألا نتوقع أن أبواب المساعدات وأن رؤوس الأموال الأجنبية ستتدفق على سورية، ذلك أن ما كان يعيق تحقق ذلك ليس فقط التصنيف الأمريكي لسورية، وإنما أيضا تخلف بنية “النظم القانونية والمالية والإدارية والسياسية” في سورية، وبالتالي فإن القادم إلى سورية لا يعرف كيف سيعمل؟ وأين سيضع مشروعاته؟ ولمن ستذهب معوناته؟ وما هي القوانين التي ستحكم تصرفاته في البنوك والإدارة؟ بل إنه لا يعرف الجهة التي سيتعامل معها؟ إذ ما زالت الدولة قائمة على “الرئيس”. وبسبب عدم وجود “مجلس وزراء” يلتقي فيه الوزراء دوريا، وينسقون أعمالهم وقراراتهم وتحركاتهم، فإن القادم من الخارج يتوه أين وكيف ومع من يتحرك؟ وما مرجعيته إزاء أي إشكالية تعترضه؟
وهذا الواقع وما يكشفه من معوقات لا تخص “القادم من الخارج” فقط، وإنما هي تشمل الخارج والداخل، أعمال وجهود السوريين داخل سورية، والمستثمرين والجهات الدولية القادمة الى البلاد ، ولكننا نخص هنا الحديث عن “الخارج” بمناسبة خروج سورية من قائمة الدول الراعية للإرعاب، وتطلع السوريين إلى تحقيق تقدم، وتعاون مع الخارج من دون إعاقات.
4ـ ولعل من أكثر ما يعوق استفادة سورية من القرار الأمريكي أن الوضع الداخلي السوري لم يصل بعد إلى الاستقرار والأمن اللازمين لقدوم المستثمر الخارجي، إذ مازالت المعوقات التي تعطل وحدة الجغرافيا والمجتمع السوري تفعل فعلها، سواء لجهة اعتداءات العدو الإسرائيلية المستمرة والمتصاعدة، أم لجهة القوى الانفصالية التي تعمل على اكتساب أرضية تعزز منطقها الانفصالي في السويداء حيث الهجريين، وفي الشمال والشرق حيث كانت تتعثر مسيرة معالجة الانفصالية القسدية رغم كل ما قدم لها من تنازلات، ( قبل قرار حل قسد )؟ويتطلع السوريون وقد أعلن اليوم عن حل قسد وإداراتها في إطار مشروع الاندماج بالدولة والمجتمع السوري أن تكون هذه العقبة قد تم تجاوزها. وكذلك ما زالت قوى التطرف تتسلل إلى مزيد من الجغرافيا السورية.
كل ذلك وسورية ما تزال تفتقد على امتداد جغرافيتها إلى وجود جيش وطني تستند بنيته ووزنه وفاعليته إلى وحدة وطنية سورية راسخة، قادرة على حماية الوطن من أعداء الخارج، وإلى قوى أمنية مناظرة قادرة على القيام بواجبات حماية المجتمع من أعداء الداخل.
هذا الوضع برمته يجعل من مطلب عقد “مؤتمر وطني شامل” تجتمع فيه طلائع قوى المجتمع السوري، بكل أطيافها التي عاث بها النظام البائد فسادا وقهرا وتدميرا، ليرسم لسورية طريقا للتعافي، وليقدم للوطن وللمواطن “عقدا اجتماعيا” جديدا يحفظهم وحدتهم، وينتج دستورا يحفظ يحمي وحدة الوطن وهويته، ويقدم المعنى الحقيقي لمفهوم المواطنة، يجعل من مطلب عقد هذا المؤتمر ـ الذي يجب أن تبادر السلطة للدعوة إليه ـ “أمر اليوم” الملح الذي لا يجوز تجاوزه، والمدخل الضروري واللازم للتفاعل مع كل جهد خارجي يريد لسورية الخير والتقدم والأمن.


