السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

أبو القاسم الشابي ومحمد الماغوط شاعران كبيران بمزاج مختلف

عند ذكر الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي أول ما يخطر على البال قوله :

إذا الشعب يوما أراد الحياة …….فلا بد أن يستجيب القدر

ولا  بد  لليل  أن  ينجلي ……… ولا بد  للقيد أن  ينكسر

ومن يتهيب صعود الجبال ……. يعش أبد الدهر بين الحفر

وهذان البيتان هما مطلع قصيدة إرادة الحياة ، التي تعد من أبرز القصائد في الشعر العربي الحديث ، نظمها الشابي بتاريخ 16 سبتمبر 1933 قبل عام من وفاته في ذلك الزمان كانت تونس ترزح تحت وطأة الاستعمار ، وقصيدة الشابي جاءت في شكل رسائل يوجهها الى شعبه يَحضّهُ على التشبث بالحق في الحياة ، والانعتاق من القيود ومعانقة الحرية .

ومن لم يعانقه شوق الحياة ….. تبخر في جوِّها واندثر

فويل لمن لم تَشقهُ الحياة ……من صفعة العدم المنتصر

في قصيدة إرادة الحياة يستدعي الشابي كل عناصر الطبيعة ليدعم دعوته الناس للثورة والنضال …..ابتداءً من الأفق والدجى والريح والسماء والفصول والحقول والنجوم والقمر والأرض التي منها كل الخلق وهي آخر مستقر ..

وقالت لي الأرض لما سألت ….. أيَا أمُّ هل تكرهين البشر

أبارك في الناس أهل الطموح ….ومن يستلذ ركوب الخطر

وألعن من لا يماشي الزمان ……ويقنع بالعيش عيش الحجر

هو الكون حي يحب الحياة ……. ويحتقر الميت  مهما  كبر

رغم جسمه العليل وخاطره الكسير رسم الشابي بكلماته لوحات بديعة لمعاني الإرادة والجهاد والصمود ، في سبيل بلوغ السؤدد والعُلا ، وكل بيت في قصيدته هذه ينادي بالحرية والثورة والحياة ، فهو مؤمن عميق الايمان بأن الجَسُور مدرك سبيل النجاة أما الخنوع فمصيره القهر المؤبد والذل ….

ومن يتهيب صعود الجبال ……. يعش أبد الدهر بين الحفر

هذا هو أبو القاسم الشابي الشاعر التونسي العظيم .

أما محمد الماغوط الشاعر السوري فله نهج آخر في الشعر الحر وفي شعر التفعيلة وكذلك في النقد فهو القائل :

منذ 1400 عام عاشوا في البراري … ناموا في المضارب …. أضاؤوا لياليهم بإشعال الزيت والحطب .. لم يعرفوا غير الرعي والسبي والغزوات … تيمموا بالتراب .. تقاتلوا .. تحاربوا .. تناحروا … تزاوجوا … منذ 1400 عام تركوا لنا قصصاً وسيراً ذاتية وأحاديث ونصوصاً .. قالوا أنها مقدسة … كما قال الذين من قبلهم … وبعد 1400 عام يتوجب علينا أن نفكر بها كما كانوا يفكرون … أن نلبس كما كانوا يلبسون … أن نعيش كما كانوا يعيشون … أن نتقاتل كما كانوا يتقاتلون … أن نتزوج كما كانوا يتزوجون .

1400 عام من التزوير … والمطلوب أن نصدق كل ما وردنا … ونحن نشهد تزوير الحاضر ، 1400 عاماً من التمترس خلف شخصيات وحكايات لا نعرف شيئاً عن حقيقتها،  ويتوجب علينا أن لا نخرج من عباءاتهم … ونقتدي بهم ونمتثل لهم .. وأن نسير في موكب تشييعهم .. أن نزور أضرحتهم حتى اليوم ..

1400 عاماً … ونحن نفسر ماذا قالوا ولماذا قالوا … وما كانوا يقصدون ..1400 عاماً من الصلوات والدعاء على النصارى واليهود … لتشتيت شملهم … ولم يتبق لنا شمل .. لتدمير أوطانهم … ولم تبق لنا أوطان … لسبي نساءهم … ولم تسبى إلا نساء المسلمين …

1400 عاماً من الزكاة … وعدد الجياع والمحرومين يزداد كل يوم في بلاد المسلمين … 1400 عاماً من الصيام والبطون تكبر والأوزان تزيد عند شيوخ المسلمين … 1400 عاماً من رجم الشيطان .. والشياطين تتكاثر في بلاد المسلمين … أيتها الأمة النائمة … إن من تصلون وتدعون عليهم … وصلوا الى الفضاء … ناموا على سطح القمر … شطروا الذرة جزأوا الثانية … اخترعوا الثورة الرقمية … والذكاء الاصطناعي .. واخترعوا الروبوتات شياطين لتعمل على خدمتهم …

وأنتم لم تفلحوا إلا بثورة الأعضاء التناسلية … وتتدارسون حتى اليوم طريقة دخول المرحاض … وماذا يفسد الوضوء … غير المرأة والكلب الأسود … وعندما اجتهد العلماء .. توصلوا لنكاح الجهاد … وسفاح القربى … وإرضاع الكبير من الرجال … ووداع الزوجة الميتة ..

أيتها الأمة النائمة … ألا يحق لعقولنا أن تتأثر بهذا الفيض من المعارف والعلوم والتكنولوجيا التي تحيط بنا … وهل يتوجب على عقولنا أن تبقى رهينة منذ 1400 عام ..وتنهل من العلوم التي هي صالحة لكل زمان ومكان !!.. كما تدعون ..

ولو كانت صالحة لماذا بقينا على تخلفنا .. ولماذا لم يأخذ الغرب منها .. فإننا عندما نضع الحصان لفلاحة الأرض … والحمار للسباق … فإننا لن نجني خيراً … ولن نكسب الرهان . .

محمد الماغوط …

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...