لا أعلم كيف أبدأ كتابة رسالتي هذه أو أنهيها ؟؟فأنا اكتب لروح الروح وقلب القلب والحب والحنان والحياة كلها.
يا الله… ما أقسى أن يكتب الأب في رحيل ابنته، أن يبحث عن كلماتٍ لا تكفي، وحروفٍ لا تُداوي، وقلبٍ يتمزق وهو يحاول أن يُسطّر وجعه.
ابنتي الحبيبة دانا… يا روح الروح، يا نور العمر، يا ابتسامة الأيام التي أطفأها القدر، كيف أرثيك وأنت لستِ إلا قطعة من قلبي، بل كل قلبي؟ كيف أبكيك ودموعي لم تعد مجرد قطرات من عيني، بل دمٌ ينزف من أعماقي، يصرخ بفقدك، ويختنق شوقًا إليك؟
قبّلتكِ آخر مرة، وكنتِ باردة بين ذراعي، لكن بردك لم يكن برودًا، كان نارًا التهمتني وما زالت تحرقني حتى الآن. من قال إن الموت سكون؟ إنه لهيبٌ يترك الآباء رمادًا بعد فلذات أكبادهم.
يا دانا… كم كنتِ تسحرينني بكلمة “بابا”، كانت أجمل نداء في الدنيا، أسمعه فأشعر أنني ملكت الحياة كلها. وها أنا اليوم أعيش على ذكراها، أسمعها في أذني كجرح لا يلتئم. سامحيني يا حبيبتي لأنني لم أستطع أن أحميك من الألم، لم أقدر أن أنتزع المرض من جسدك الطاهر، ولم أقدر أن أكون الجدار بينك وبين الموت. سامحيني… فقد بقيتِ تحت التراب، وتركتني أتعذب فوقه.
يا دانا، ما كنتِ ابنةً فقط، كنتِ صديقتي التي تواسي غربتي، ورفيقتي التي تضحك لفرحي، وملاذي حين يضيق صدري. كنتِ حلمًا مؤجلًا، وكنتِ الحنان الذي يُطفئ حزني. حتى حين كنتُ أُحدثك عن أمنيةٍ لم تتحقق، عن أخ أسميه عمر، كنتِ تضحكين وتقولين: “بابا، لا تحزن، سأُسمي ابني عمر، وأكون أنا أم عمر.” يا الله… كم كنتِ رحيمة وذكية، وكم صرتِ غائبة… لكن حاضرة في كل زاوية من روحي.
اليوم أصبحت انا جسدًا بلا روح، وأيامًا بلا طعم، وأحلامًا بلا معنى. لا أريد من الدنيا شيئًا، سوى أن يجمعني الله بكِ، قريبًا، في دارٍ لا فراق فيها ولا دموع.
اللهم إن دانا بين يديك، أمانةً تركتها لديك، فارحمها رحمةً واسعة، وأنر قبرها، واجعلها في أعالي الفردوس، حيث لا مرض، ولا وجع، ولا رحيل.
إلى لقاءٍ قريب يا دانا… يا حبيبة قلبي، يا عمري، يا نور عيني، يا روح الروح.
رحمكِ الله رحمةً تليق ببراءتكِ وجمالكِ وحنانكِ، وجعل لكِ مقعد صدق عند مليك مقتدر.


