منذ وصول دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، كان واضحًا أن نظرته لإيران تختلف عن سابقيه. فقد جهز منذ زمن في سنوات معركته للرئاسة مشروعًا استراتيجيًا ، يقوم على وقف أي تقدم نووي إيراني مهما كانت سلميته الدولية، خصوصاً أن إدارة ترامب -كانت ولا تزال -تُكذب الموقف الإيراني العقائدي الرافض لامتلاك القنبلة النووية.
وخطط ترامب وفريقه مبكرًا لفتح باب المفاوضات مع إيران، ولكن لم يكن الهدف الحقيقي هو الوصول إلى تسوية، بل شراء الوقت لكشف مزيد من مواطن الضعف، والاستعداد لجولة حاسمة في معركة اسميها مجازا -حسب توجههم بمعركة السحق النهائي ضد الثورة الإسلامية الإيرانية-
ولكن بعد ان وصلت العنجهية الاسرائيلية في المنطقة ، في معاركها واباداتها بغزة ولبنان من ٧ اكتوبر ٢٠٢٣ وباحتلالها الجديد لاراضي سورية. وباعلانها الواضح لتدمير البنية التحتية للمؤسسات النووية السلمية الإيرانية.
ولانه- نتنياهو -اصبح لا يبالي ولا يستنكف عن اعلانه بأنه سيستخدم النووي ضد ايران، بلغ التمادي الإسرائيلي ذروته. ولم تعد تل أبيب تكتفي بالتحريض، بل مارست عدوانًا صريحًا علی احدی المواقع النوویة سابقا.
هنا، بدأت أصوات وازنة قريبة من مركز القرار الإيراني تُلمّح ،إلى مراجعة العقيدة النووية الدفاعية. لأول مرة، طرحت أوساط إيرانية فكرة أن التمسك بحظر امتلاك السلاح النووي قد يحتاج إلى مراجعة، ما دامت إسرائيل اللقيطة تهدد وجود إيران دون حساب.
وهذا شكل سببا اضافيا لخطة المبادرة للمفاوضات ، لدى مستشاري ترامب من اجل كسب الوقت .
ولكن برجوعنا الى الدروس من الماضي ،عن المحاولات الأمريكية لإسقاط الثورة الإسلامية فهي ليست جديدة. فالرئيس جيمي كارتر قبل أكثر من أربعة عقود، خطط لعملية إنزال عسكري واسع لإسقاط النظام الإيراني الوليد، لكنها انتهت بكارثة في صحراء طبس (كان هدفها سحق الثورة وتسليم ايران للعلمانيين )
ومنذ ذلك الفشل توالى الرؤساء الأمريكيون، كل بطريقته، على استهداف إيران، لكن من دون جدوى.
وهنا بايجاز اذكر فقط ثلاثة أسباب رئيسية لهذا الفشل المستمر للأمريكان (التي هي من اسباب نصر الله لهم) ،من مجموع العديد من الاسباب المهمة لذلك:
أولا: قيادة ولاية الفقيه، التي أرست عمقًا إيمانيًا وشعبيًا راسخًا وإلتفاف الشعب حول قيادته ووحدته ، وليس في إيران وحدها فقط بل في ايضا بقلوب الشعوب الإسلامية والحرة .
ثانيا : التمسك بالقضايا المصيرية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية وتحرير القدس، مما منح إيران بعدًا أخلاقيًا دوليًا، وبيئات متنوعة حاضنة في الكثير من الشعوب .
ثالثا : التطوير الدفاعي الذاتي. حيث تمكنت إيران من بناء منظومة دفاع جوي وصاروخي قادرة على حماية البلاد لمسافة 2000 كيلومتر من حدودها ،وقابلة للزيادة .
ونرى أن حرب اليمن زادت من قطرها وزواياها ، خصوصا بأن اليمنيين قاموا بالتطور النوعي لقدرات الردع لديهم . ومن يوم ما دخلت اليمن حرب الإسناد لغزة ، واصبح التحكم في مضيقين مهمين جدا عالميا باب المندب وهرمز ، بيد ايران وحليفتها اليمن .
اجلت الكثير من الهجمات الموجعة لقلب المقاومة ،
هنا يبين انه من السذاجة الظن بأن الولايات المتحدة، استمرت في إرسال طائراتها ال MQ إلى أجواء اليمن على الرغم من تيقنها من سقوطها من دون سبب. لكن واشنطن كانت تستخدم هذه الخسائر كفرصة لتحليل آلية الدفاع الجوي اليمني، في محاولة لاكتشاف تقنيات اليمانيون بإسقاط الطائرات المسيرة المتطورة ، وهي التقنيات التي يُعتقد أن إيران تمتلكها ذاتها وتطوّرها.
فبمجرد أن تتمكن الولايات المتحدة من كشف طریقة اليمانيون المجهولة عندهم ،بإسقاط هذه الطائرات المسيرة غالية الثمن .
ستسطيع ان تكشف نقطة ضعف أنظمة الدفاع الإيرانية المعقدة ، وبالتالي سيتحرك ترامب لتنفيذ (خطة السحق النهائي)، بدءًا بضرب المنشآت النووية ثم تمهيدًا للسيطرة على منطقة الخليج وخيراتها الاستراتيجية.
لهذا، فإن المفاوضات الجارية اليوم ليست مفاوضات حقيقية بهدف التوصل لاتفاق.
بل هي أداة لكسب الوقت من اجل تفكيك الدفاعات الايرانيةحتى يقوم الامريكان بالهجوم الساحق ، وفرصة أيضا لإضعاف إيران اقتصاديًا وسياسيًا، وتفكيك جبهتها الداخلية قبل الضربة الكبرى.
ومهما تكن النوايا الأمريكية، فإن الحقيقة التي أثبتها التاريخ هي أن إيران، عبر عقيدتها، وقدرتها الدفاعية، وصبرها الاستراتيجي، قادرة ليس فقط على الصمود، بل على إفشال كل مخططات السحق كما أفشلتها من قبل.


