
حين يشتد الليل ظلمة، ويتكاثر الذئاب حول القطيع، يخيّل للبعض أن الفجر لن يطلع، وأن الأغلال لن تنكسر، لكن من يدرك معنى الصمود يعلم أن الدم المسفوك ليس ماء، وأن الأرض لا تنسى من ارتوى ترابها بدمه.
العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة ليس مجرد قصف عابر أو جولة جديدة في معركة طويلة، بل محاولة وحشية لإبادة شعب، استهدفت البيوت قبل المقاتلين، والأطفال قبل الرجال، والطرقات قبل الخنادق، في مشهدٍ يؤكد أن الاحتلال لا يبحث عن أمن، بل عن خرابٍ مطلق. أكثر من 400 شهيد، جلّهم أطفال ونساء، وأحياء تحوّلت إلى أطلال، وبنى تحتية تهاوت تحت القصف، ورغم ذلك، يعتقد المعتدي أنه قادر على فرض شروطه على شعبٍ لم يعرف يوماً الاستسلام.
حماس والمفاوضات: بين النار والتحدي
في ظل هذا الدمار، يظن البعض أن حركة حماس ستنكسر، أو أن هذا العدوان سيضعف موقفها في المفاوضات الجارية في الدوحة، لكنها، رغم الجراح، تدرك أن الحرب لا تُحسم بالصواريخ وحدها، بل بإرادة لا تنحني، وعزيمة لا تخضع. حماس لا تفاوض من موقع ضعف، ولا تبحث عن هدنة تُرمم الاحتلال، بل تسعى إلى وقف دائم للحرب، يحفظ كرامة شعبها، ويؤكد أن الدم الفلسطيني ليس ورقة تفاوضية تُباع في سوق السياسة.
أما الاحتلال، فهو كعادته، يجلس على طاولة المفاوضات بسكينٍ في يد، ونارٍ مشتعلة في اليد الأخرى. يتحدث عن التسويات وهو يزرع الموت، ويعلن قبوله الوساطات وهو يواصل المجازر. لا يريد حلاً، بل يريد وقتًا إضافيًا لتدمير ما تبقى، لكن الزمن لم يعد في صالحه، وقوة غزة باتت تفرض نفسها على الواقع، رغم محاولات العدو إنكارها.
الوسيط الأميركي: حكمٌ منحاز وسيدٌ متواطئ
منذ متى كان القاضي شريكًا في الجريمة؟ ومنذ متى صار السجان وسيطًا بين المعتقل والحرية؟ الولايات المتحدة، التي تدّعي الوساطة، هي ذاتها التي أمدّت إسرائيل بالقنابل، ومنحت نتنياهو الضوء الأخضر ليواصل المجازر، وهي ذاتها التي تتحدث عن وقف إطلاق النار بينما تدعم آلة الحرب بلا تردد.
لكن واشنطن ليست ساذجة، فهي تدرك أن العدوان لن يحقق أهدافه، وأن استمرار الحرب يعني مزيدًا من الفشل الإسرائيلي. وقد تجد نفسها مجبرة على إعادة فتح قنوات الحوار مع حماس، ليس حبًا بالسلام، بل لأن الوقائع على الأرض لم تسر وفق مخططاتها.
نتنياهو: الهروب إلى النار
لو كان نتنياهو يؤمن بالنصر، لما احتاج إلى حربٍ أخرى، ولو كان واثقًا من موقفه، لما أحرق غزة ليحافظ على كرسيه. لكن رجل الاحتلال الأول يعيش في رعب، ليس فقط من المقاومة، بل من شعبه، من الصحافة، من الجنرالات الذين باتوا يرونه عبئًا على دولتهم. هروبه إلى التصعيد ليس قوة، بل ضعفٌ مغلف بضجيج القذائف، وأزماته الداخلية أكبر من أن يغطيها رماد غزة.
هو يعرف، كما يعرف الجميع، أن حماس لم تُهزم، وأن صواريخها لم تتوقف، وأن مفاوضيها لم يأتوا إلى الطاولة أذلاء، بل أصحاب قضية، أصحاب موقف، أصحاب شرطٍ واضح: لا وقف للحرب إلا بانسحاب كامل، لا تهدئة إلا بإعادة إعمار، لا صفقة إلا بتحرير الأسرى.
غزة لا تتكلم لغة الانكسار
حين تنظر غزة إلى مرآتها، لا ترى وجهًا خائفًا، بل مدينةً رغم الركام، ما زالت تقاوم. ترى أطفالًا فقدوا آباءهم لكنهم رفعوا الراية، ترى أمهاتٍ ودّعن أبناءهن ولكنهن لم يضعن السلاح. غزة، التي اعتقد العالم أنها ستستسلم، وقفت، ونطقت، وقالت بصوتها الواضح: لن تقتلوا الروح، ولن تفرضوا علينا صمت المقابر، إما حياة بكرامة، أو موتٌ يصنع الحياة.
المفاوضات في الدوحة قد تتعثر، قد تطول، قد تتعقد، لكن ما هو ثابت أن الاحتلال لن يحقق حلمه، وأن النار التي أشعلها قد تحرقه هو، وأن غزة لن تخرج من هذه الحرب إلا أقوى، لأن التاريخ لم يسجل يومًا أن شعبًا مؤمنًا بقضيته قد هُزم، ولن يكون الفلسطينيون هم الاستثناء.