منذ خمسينيات القرن الماضي ارتبط اسم جمال عبد الناصر بحلم التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية. يومها لم تكن الناصرية مجرد شعار سياسي، بل تيار جارف ألهم شعوباً في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، وغرس قناعة بأن الاستقلال لا يكتمل برفع العلم فقط، بل ببناء مشروع يمنح الناس كرامة وتنمية.
اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن على رحيل عبد الناصر، يقف الناصريون أمام سؤال جوهري: كيف تبقى الفكرة حيّة في عالم تغيّر بالكامل؟ وهل ما زال الخطاب الناصري قادراً على الإقناع، أم أنه بات بحاجة إلى تجديد عميق؟
المشكلة أن كثيراً من الناصريين تعاملوا مع التجربة كأنها نص مقدّس لا يُمس. الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطب والشعارات القديمة جعل التيار يبدو، خصوصاً في عيون الأجيال الجديدة، وكأنه متحف سياسي يحنّ إلى الماضي أكثر مما يقدّم حلولاً للحاضر.
أما الجناح الراديكالي من الناصريين، فعلى الرغم من حماسته، صار “عبئاً” لا رصيداً. تشبّثه بالمواقف القصوى ورفضه أي تطوير للخطاب أغلَق الباب أمام اجتهادات جديدة، وحوّل الناصرية من فكرة وطنية واسعة إلى قوالب جامدة.
اليوم، الخطاب الناصري في أمسّ الحاجة إلى التجديد. صحيح أن قيم الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية ما زالت حاضرة وضرورية، لكن إعادة تعريفها باتت شرطاً للاستمرار. فالديمقراطية وحقوق الإنسان أصبحتا أساس أي مشروع يحترم المواطن.
العدالة الاجتماعية لم تعد تعني فقط الإصلاح الزراعي أو توسيع القطاع العام، بل تعني قبل كل شيء ضمان تعليم جيد، ورعاية صحية لائقة، وفرص حقيقية في الاقتصاد الرقمي.
والوحدة العربية لم تعد شعاراً عاطفياً يُرفع في الخطب، بل يمكن أن تبدأ بمشاريع عملية: تعاون في الطاقة، في الأمن الغذائي، في المياه.
أما القضية الفلسطينية، فما زالت البوصلة المركزية، لكن دعمها اليوم يتطلّب أدوات جديدة للتأثير في الرأي العام العالمي وفي مراكز صنع القرار.
وإذا أراد الناصريون العودة إلى ساحة الفعل بدلاً من البقاء على الهامش، فعليهم أن يحوّلوا الناصرية من أيديولوجيا مغلقة إلى مشروع مفتوح للنقاش والاجتهاد. يفسحوا المجال للشباب ليقودوا الخطاب بروح مختلفة. يمدّوا جسور التحالف مع التيارات الديمقراطية واليسارية والقومية. يستثمروا في مراكز أبحاث وإعلام رقمي حديث ينقل الفكرة إلى لغة هذا العصر. يتحلّوا بالشجاعة لمراجعة أخطاء الماضي: من غياب الديمقراطية السياسية إلى البيروقراطية ونكسة 1967.
ختامًا، الناصرية ليست فصلاً منقضياً في كتاب التاريخ، بل فكرة قابلة للتجديد متى تخلّصت من جمودها وانفتحت على المستقبل. والخيار أمام الناصريين اليوم واضح: إما الارتهان للنوستالجيا والراديكالية الجامدة، أو التحوّل إلى مشروع وطني تقدّمي قادر على إلهام المصريين والعرب من جديد.


