السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
25°C
غيوم متفرقة
AdvertisementAdvertisement

الخيانة وقبل ترامب أطاحت مادورو

 

بدأ المشهد الفنزويلي يتخذ منحىً أكثر خطورة مع التهديد الأميركي الحقيقي الذي تجلّى في استعراض القوة العسكرية في البحر الكاريبي، رسالة واضحة لا تحتمل التأويل، مفادها أن واشنطن لم تعد تكتفي بالعقوبات والبيانات، بل باتت تلوّح بأدوات الردع الصلبة. في المقابل، جاء التهديد والوعيد الفنزويلي على لسان الرئيس نيكولاس مادورو وقيادات نظامه، موجهاً مباشرة ضد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في خطاب تصعيدي يذكّر بلغة الحرب الباردة، لكنه بدا أقرب إلى رفع معنويات داخلية منه إلى قدرة فعلية على المواجهة.
غير أن ما يختبئ خلف هذا التوتر العلني هو اختراق أمني-مخابراتي عميق داخل بنية الدولة الفنزويلية نفسها. .. اختراق استند إلى خيانة كبار الضباط الفنزويليين ، ومعظمهم درس في المعاهد العسكرية الأميركية فالمعطيات المتداولة تشير إلى خروقات خطيرة داخل المؤسسة العسكرية، وأخرى داخل الجسم السياسي الحاكم، لدرجة أن الشكوك تطاول شخصيات من الصف الأول، سواء من القيادات العسكرية العليا أو من السياسيين الأكثر قرباً من الرئيس مادورو. هذا الواقع لا يعبّر فقط عن ضعف أمني، بل عن تآكل الثقة داخل النظام، حيث لم يعد الولاء مضموناً حتى في الدوائر الأكثر حساسية.
وتعزز هذه الصورة أعداد الضباط الكبار الهاربين من فنزويلا خلال السنوات الأخيرة، والذين شكّلوا مادة دسمة للأجهزة الغربية. من أبرز هؤلاء رئيس المخابرات العسكرية السابق هوغو “إل بولو” كارفاخال (El Pollo Carvajal)، الذي يخضع للمحاكمة في الولايات المتحدة، بعد أن كان أحد أعمدة النظام الأمنية. ولا يقل أهمية عنه الجنرال “ميغيل أدواردو رودريغز”، رئيس مخابرات، ووزير داخلية سابق، الذي لجأ إلى إسبانيا، في مؤشر واضح على تفكك الحلقة الصلبة التي كان يعتمد عليها مادورو.
وهناك اعتقاد لم يثبت توكيده ، بأن مادورو ، وبعد ان تأكد من تخلي كبار الضباط عنه ، آثر حماية وطنه فنزويلا ، من الدمار الاميركي المتوقع ، وحرص على منع وقوع كوارث وقتلى بين المدنيين في بلاده ،فكان امامه هذا الأمر الواقع ، وهو التسليم خصوصاً وان الجيش الفنزويلي تخلى عنه ، فلم تطلق رصاصة واحدة ضد العدوان ..ثم انه ادرك عميقاً ان حلفاءه عبر الأطلسي في آسيا وفي جنوبي شرقها اي الصين وروسيا ، لم ولن يقدما له في مواجهة الهجمة الاميركية اكثر من بيانات الاستنكار
هذه العوامل
مجتمعة ،
دفعته للمصير الفردي له ، ليدفع هو الثمن لتبقى فنزويلا وشعبها!! ووسط هذا المشهد، يبرز تناقض لافت في تصريحات الرئيس ترامب حول هوية البدائل المحتملة لحكم فنزويلا بعد مادورو. ففي لحظة، يتحدث عن “نوعيات جيدة” من ضباط كبار في الجيش الفنزويلي، وكأن واشنطن تفتح الباب أمام سيناريو انتقال تقوده المؤسسة العسكرية. وفي لحظة أخرى، يبدي إيجابية تجاه دلسي رودريغز، نائبة مادورو التي تولّت السلطة بعده، وهي شقيقة خورخي رودريغز، رئيس مجلس النواب الحالي ورئيس الحزب الحاكم في آنٍ معاً. هذا التناقض يطرح تساؤلات جدية حول حقيقة الرؤية الأميركية: هل تبحث واشنطن عن تغيير النظام أم عن إعادة تدويره بوجوه مختلفة؟
في المقابل، بدا موقف ترامب فاتراً تجاه زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، إذ شكك بأهليتها للحكم واعتبرها “غير محبوبة شعبياً”، على الرغم من إقراره بأن وزير خارجيته يعرفها وينسّق معها ملف فنزويلا. هذا التناقض يعكس ارتباكاً أو ازدواجية في المقاربة الأميركية، وربما صراعاً داخل مراكز القرار نفسها.
ومن خلال المؤتمر الصحفي الأخير، يظهر بوضوح أن الملف الفنزويلي يُدار في معظمه من قبل ماركو روبيو، وزير الخارجية، المعروف بتشدده تجاه الأنظمة اليسارية في أميركا اللاتينية، وبارتباطه الوثيق باللوبي الكوبي-الفنزويلي في الولايات المتحدة. ما يعني أن السياسة الأميركية تجاه كاراكاس باتت مؤدلجة أكثر، وأقل قابلية للحلول الوسط.
أما النقطة الأخطر، فهي خدعة “الجماهير” التي أتقنها مادورو وجماعته. فقد أغرقوا الإعلام بتصريحات نارية عن تحويل فنزويلا إلى “فيتنام جديدة” أو “أفغانستان أخرى”، وعن تجهيز ملايين المواطنين للدفاع عن النظام ومقاومة أي تدخل خارجي. لكن المفارقة الصادمة كانت في طريقة اعتقال مادورو المذلّة، التي نسفت كل هذا الخطاب، وكشفت أن تلك الحشود الموعودة لم تكن سوى وهم سياسي وإعلامي.
هنا يبرز السؤال الأكثر حساسية:
هل كانت “عملية المطرقة” مسرحية متقنة؟
هل كان أبطالها من داخل النظام نفسه، وتحديداً رفاق مادورو، وعلى رأسهم الأخوان رودريغز: دلسي وخورخي؟ أم أن ما جرى أكبر من ذلك بكثير، ويتصل بتفاهمات سرّية إقليمية ودولية، جرى تنفيذها بهدوء ودقة؟
الدليل الأبرز على فرضية المسرحية هو غياب ردود الفعل التي توازي ضخامة الحدث. فلا انفجار شعبي، ولا تمرد عسكري، ولا حتى خطاب تصعيدي مقنع. كل ما صدر كان بيانات وتصريحات من المدعي العام، أقرب إلى نصوص مسرحية باردة، لا إلى موقف دولة تتعرض لانقلاب أو “اختطاف سيادي”.
في المحصلة، تبدو فنزويلا اليوم عالقة بين استعراض قوة أميركي محسوب، ونظام داخلي متآكل، ومشهد سياسي يفيض بالتناقضات والخدع. وما جرى لا يمكن اختزاله باعتقال رئيس أو سقوط نظام، بل هو فصل من صراع أكبر، تُدار فيه اللعبة بأدوات غير مرئية، حيث الخيانة تلبس ثوب الوطنية، والمسرحيات تُقدَّم باسم السيادة.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل ما شهدناه نهاية حقبة مادورو، أم مجرد تبديل أدوار داخل المسرح نفسه لتسهيل الاستيلاء على ثروات فنزويلا ؟

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...

23 يوليو يوم في تاريخ الأمة لا مثيل له

في مثل هذا اليوم من عام 1952 عبرت الأمة العربية كلها إلى المستقبل حين تحركت طلائعها في مصر لاستلام السلطة، ولوضع هذا البلد العربي المركزي في مكانه الصحيح، المكان الذي فرضته عليها...