السبت، 7 مارس 2026
بيروت
13°C
غيوم متفرقة
AdvertisementAdvertisement

بيروت وطهران... بين الجرح المفتوح والموقف من العدو الصهيوني

في لحظة إقليمية شديدة الخطورة والتعقيد، وبين غياب منظومة عربية كانت تُفترض أنها الحاضن الطبيعي للقضية الفلسطينية، وصعود مشاريع إقليمية متشابكة، تجد بيروت نفسها أمام معادلة هجينة و صعبة، بل مزدوجة الألم: كيف نحافظ على سيادتنا الوطنية في وجه أي تدخل خارجي، وكيف لا نخون القضية الفلسطينية التي نُفترض أننا نحملها في وجداننا قبل بياناتنا؟

طوال العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين بيروت وطهران علاقة طبيعية بين عاصمتين أو حتى متزنة. فهي علاقة شابها الكثير من الشك، والخوف، والرفض، وأحيانًا الصدام المباشر أو غير المباشر. فمنذ أن بدأ النفوذ الإيراني يتمدّد في لبنان، شعرت شريحة كبيرة من اللبنانيين، وخصوصًا أهل بيروت ، بأن ثمة مشروعًا يحاول أن يغيّر معالم التوازن الوطني اللبناني، بل وحتى ملامح المدينة العريقة ثقافيا وتاريخيا وإجتماعيا . هذا الامتعاض من السياسة الإيرانية في لبنان لم يكن طائفيًا ولا غرائزيًا ولا حتى وليد اللحظة ، بل هي نتيجة تراكمات نابعة من تجربة حقيقية تتعلّق بالشعور بفقدان القرار، وتآكل مؤسسات الدولة، وإزدياد الانقسامات.

بالطبع لا يمكن الحديث عن وجدان بيروت السياسي من دون التوقّف عند العروبة والناصرية، اللتين شكّلتا لعقود طويلة جزءًا من الهوية السياسية لأهل المدينة من أغلب الطوائف. فبيروت لم تكن يومًا مدينة محايدة تجاه فلسطين أو قضايا العرب الكبرى. هي التي احتضنت الثورة ودعمتها، وصوت الرئيس عبد الناصر فيها بقي رمزًا للعنفوان والكرامة والعزة والانتماء العربي الأصيل. ومن هنا، فإن أي خطاب أو مشروع يتجاوز هذه الهوية، يُقابَل برفض غريزي وفكري في آن، لأن بيروت ما زالت تعتبر نفسها على تماس وجداني مع الأمة، لا مجرد كيان على هامشها.

لكن، وفي المقابل، كيف يمكن لعاقل أو صاحب ضمير أن يُنكر بأن إيران بكل حساباتها وقفت فعليًا في مواجهة إسرائيل، ودعمت المقاومة الفلسطينية واللبنانية، حين تخلّى عنها كثير من العرب؟ كيف يمكن إنكار أن الساحة التي تخلّى عنها العرب ( طواعية أو إهمال) باتت مفتوحة أمام طهران، لا لأنّها فرضت نفسها بالقوة فقط، بل لأنّ الفراغ لا يبقى فراغًا في السياسة والجغرافيا، ولأن مسألة بقاء الفلسطينيين في أرضهم باتت على المحك.

لقد وصلت الأمور إلى لحظة مصيرية. لم يعد ممكنًا الاستمرار في الشعارات الرمادية. ولم يعد هناك متّسع للهروب من الموقف الواضح. نحن اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:

إما أن نستمر في شيطنة إيران بالكامل، ونُبقي فلسطين وحيدة مصيرها الزوال وإبادة شعب بالكامل وإما نُمارس عقلانية سياسية وطنية، تُمكّننا من فرز المواقف. نحن نرفض تدخل طهران في شؤوننا الداخلية والخارجية، لكننا لكن نُقدّر وقوفها إلى جانب غزة والقدس، و في نفس الوقت ندعو جميع العرب لممارسة دورهم الطبيعي والفعال تجاه قضايا منطقتنا وخاصة فلسطين، بدل ترك الساحة مفتوحة على مصراعيها لحروب وحسابات الآخرين.

هذه المعادلة إذاً هي مفتاح المرحلة. فالعداء الأعمى لإيران لا يختلف، من حيث النتيجة، عن التطبيع الأعمى مع العدو الإسرائيلي. كلاهما يُفضي إلى خيانة القضية، إما مباشرة أو بالتواطؤ. أما منطق الوعي، فيقول: نعم، نختلف مع إيران حين تسعى لفرض وصاية أو قرار، لكن لا يمكن أن نغفل أنها الطرف الوحيد الذي لا يزال يعلن جهارًا أنه في موقع الصدام مع العدو الصهيوني، لا موقع التفاوض معه.

وفي مواجهة العدو الصهيوني، نحن لا نقيس المواقف بالمثالية الطوباوية، بل بالنتائج والمبادئ. وإن اضطررنا، نقف مع من يقف في وجه الاحتلال، حتى لو لم نتفق معه على كل شيء. فالمعادلة واضحة: في زمن تُغتال فيه فلسطين كل يوم، حتى الشيطان يصبح حليفًا أساسيا إن كان واقفًا في الخندق المقابل للعدو الصهيوني.
الفلسطينيون أنفسهم في هذه المرحلة بالذات، في الداخل والشتات، لم يعودوا يحتاجون إلى من يزايد عليهم. هم اليوم يرون من يذبحهم، ومن يبيعهم، ومن يصمت على مأساتهم. ولهذا، فإن غالبية الفلسطينيين الشرفاء، يعرفون تمامًا من وقف معهم حين تخلى عنهم الجميع. وغزة، في حربها الأخيرة، لم تكن ساحة عابرة، بل كانت امتحانًا للضمير العربي، وساحة تمايز بين من اختار الشرف، ومن اختار التجاهل.

من هنا، بيروت، التي تنزف سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، لا تحتمل مزيدًا من الألم . لكنها في الوقت نفسه، لا تستطيع أن تكون عمياء عن ما يجري في فلسطين، أو أن تكون بوابة للتهرّب من الواقع الأليم. إن من يطلب من اللبنانيين أن يُدينوا إيران فقط، دون أن يتحدث عن الاحتلال الإسرائيلي، هو شريك في التعتيم، لا في الحقيقة.

المعادلة واضحة: لا تبعية لإيران، ولا اصطفاف مع من طبعوا. لا مبايعة لمحور، ولا مبايعة لعدو. بل موقف مستقل، وطني، عقلاني، أخلاقي: نرفض من يتدخل بشؤوننا، لكن لا نخون من يقف في وجه الاحتلال.

ومع كل هذا، نُعلنها بصدق وصراحة: نحن لا نريد أن نُفتح على أنفسنا معركة جديدة في لبنان. لسنا في موقع التحشيد، ولسنا في وارد دفع البلد إلى حروب إضافية. نحن شعب منهك، مهدود، أنهكته الأزمات والحروب والانفجارات والانقسامات. نريد وطنًا آمنًا، مستقرًا، يعيش فيه أبناؤه بكرامة. نريد السلام العادل، لا الخضوع. نريد المقاومة الواعية عند مباغتتنا ، لا المغامرات الانتحارية.

نعم، نقف مع فلسطين، لكن لا نريد أن نُحوّل لبنان إلى ساحة نيابة عن أحد. نريد أن نُعيد بناء بلدنا، لا أن ندفنه تحت ركام المعارك بالوكالة. فالعدو واضح. والتاريخ لا يرحم المتفرجين. لكن لبنان لا يحتمل أن يكون دائمًا ساحة، ولا شعبه وُلد ليموت من أجل الآخرين، بل من أجل نفسه وكرامته وحريته.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...

هل يُعَدّ صمود إيران اليوم انتصاراً… أم تأجيلاً لحسمٍ أكبر؟

في الحروب الكبرى، لا تُقاس النتائج دائماً بعدد الضربات أو حجم الخسائر في اللحظات الأولى. فالتاريخ العسكري يُظهر أن المرحلة الأولى من أي مواجهة غالباً ما تكون مرحلة الصدمة، حيث...

موقفٌ مشرّف لأهل السنّة مع إخوانهم الشيعة النازحين

في أوقات الرخاء قد يختلف الناس في السياسة، وتتباين آراؤهم في الشأن العام، وتعلو الأصوات أحيانًا في جدالاتٍ لا تنتهي. لكن حين تهبّ العواصف الكبرى، وحين تضيق الأرض على أهلها بفعل...

نقطة ضعف ... الأقوياء

لا ريب ان قراءة القرآن في رمضان هي القلب التعبّدي للطاعة المميّزة ، و من المؤكد ان معظم القصص قرأناها لمرات عديدة، وربما أحسست ان البعض منها كأني اتلوها لأول مرة و أتعجب من ذاكرة...