في الشرق الأوسط اليوم، تبدو المنطقة وكأنها تقف على حافة مرحلة جديدة لم تتضح معالمها بعد. الضربات تتبادل، والرسائل العسكرية تُرسل بوضوح، لكن الحرب ما تزال محكومة بسقف غير معلن. دول الخليج العربي تراقب المشهد بحذر شديد: تتلقى بعض الضربات، تتصدى لها بمنظوماتها الدفاعية، لكنها تحرص على البقاء خارج الحرب المباشرة.
هذه المعادلة ليست وليدة الصدفة. فدول الخليج تدرك أن الانخراط المباشر في مواجهة مفتوحة مع إيران قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها. لذلك يبدو موقفها أقرب إلى استراتيجية إدارة الخطر لا مواجهته: دفاع جوي نشط، رسائل سياسية حذرة، وتحركات دبلوماسية مكثفة، لكن دون الانزلاق إلى ساحة القتال.
في المقابل، يتردد في الأروقة السياسية حديث عن أفكار كبيرة تعكس قلقاً استراتيجياً عميقاً: من مشروع حلف عربي عسكري موحد يشبه حلف الناتو، إلى مشاريع بنية تحتية كبرى مثل فكرة شق ممرات بديلة لنقل النفط عبر الأراضي السعودية لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز. مجرد طرح هذه المشاريع يكشف حجم القلق من هشاشة الممرات الاستراتيجية في المنطقة.
ومع كل تصعيد عسكري في الخليج، يعود سؤال اللبنانيين العاملين هناك إلى الواجهة. مئات آلاف اللبنانيين يعيشون ويعملون في دول الخليج، وتشكل تحويلاتهم المالية أحد أعمدة الاقتصاد اللبناني المنهك. القلق لا يتعلق فقط بإمكانية عودتهم إذا توسعت الحرب، بل أيضاً بمصير مدخراتهم في المصارف الخليجية.
حتى الآن، لا مؤشرات جدية على قيود تطال ودائع اللبنانيين في تلك الدول، إذ إن الأنظمة المصرفية الخليجية تقوم أساساً على الاستقرار المالي والثقة الدولية. لكن هواجس اللبنانيين مفهومة، فهم أبناء بلد عاشوا تجربة قاسية حين تبخرت ودائعهم في المصارف المحلية خلال الأزمة المالية.
في خضم هذه التوترات، تظهر أيضاً تسريبات عن احتمال اعتماد العملات الآسيوية، وفي مقدمها اليوان الصيني، في بعض معاملات الطاقة أو رسوم العبور في الممرات البحرية. قد تبدو هذه الأفكار بعيدة عن التطبيق الفوري، لكنها تعكس تحولات أعمق في ميزان القوى الاقتصادية العالمية ومحاولات بعض الدول تقليص هيمنة الدولار على تجارة الطاقة.
أما النفط، فهو المؤشر الأكثر حساسية في أي مواجهة في الخليج. مجرد تهديد الملاحة في مضيق هرمز – الذي يمر عبره نحو ثلث النفط المنقول بحراً في العالم – يكفي لرفع الأسعار في الأسواق العالمية. لهذا يراقب العالم هذا الممر البحري الضيق وكأنه شريان الاقتصاد الدولي.
في الميدان العسكري، تتزايد المؤشرات على أن الولايات المتحدة تستعد لكل السيناريوهات. الحديث عن وصول نحو 2500 جندي من مشاة البحرية الأميركية إلى الشرق الأوسط ليس مجرد حركة روتينية، بل رسالة ردع واستعداد في آن واحد. فواشنطن تريد أن تبقي لنفسها قدرة التدخل السريع إذا تحولت المواجهة المحدودة إلى صراع أوسع.
وفي خلفية الحسابات العسكرية، يبرز اسم جزيرة خرج الإيرانية. هذه الجزيرة الصغيرة في الخليج تمر عبرها نحو تسعين في المئة من صادرات النفط الإيراني. أي استهداف لها قد يشكل ضربة قاسية للاقتصاد الإيراني، لكنه في الوقت نفسه قد يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي واسع يصعب احتواؤه.
لكن بينما يراقب العالم هذه الحسابات الكبرى، يعيش لبنان واقعه الخاص. الجنوب والبقاع وأحياء في بيروت تعيش مشاهد دمار تعيد إلى الذاكرة صور الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. كأن التاريخ يعيد نفسه في بلد اعتاد أن يكون ساحة تتقاطع فوقها صراعات الآخرين.
وفي موازاة التصعيد العسكري، يتصاعد الحديث عن مسار سياسي قد يقود لبنان إلى مفاوضات مباشرة مع “إسرائيل” برعاية أميركية. ويبرز اسم مسعد بولس، أحد كبار مستشاري الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، بوصفه الشخصية التي ستترأس الوفد اللبناني المفاوض في هذا المسار الحساس.
يتجاوز هذا السيناريو فكرة التفاوض التقليدي حول الحدود أو وقف إطلاق النار. فالمقاربة المطروحة في بعض الأوساط الدولية تبدو أوسع بكثير: هدنة طويلة الأمد أولاً، ثم ترتيبات أمنية جديدة على الحدود الجنوبية، وصولاً إلى ملف بالغ الحساسية، يتمثل في حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.
في جوهره، لا يتعلق الأمر فقط بترتيبات أمنية على الحدود مع “إسرائيل”، بل بإعادة صياغة جزء كبير من المعادلة السياسية والأمنية في لبنان. أي مسار تفاوضي من هذا النوع سيصطدم حكماً بتوازنات داخلية معقدة، وبأسئلة كبرى حول موقع لبنان في الصراع الإقليمي بين إيران وإسرائيل.
هنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً: هل يمكن للبنان أن ينتقل من ساحة مواجهة إلى ساحة تسوية، فيما المنطقة كلها لم تحسم بعد شكل النظام الإقليمي الجديد؟
لذلك، حتى لو هدأت المواجهة الكبرى بين إيران و”إسرائيل”، يبقى احتمال استمرار التوتر في لبنان قائماً إلى أن تتبلور تسوية إقليمية أوسع.
وفي انتظار تلك اللحظة، تعيش المنطقة كلها على إيقاع الترقب: ضربة قد تغير المعادلة، أو صفقة قد توقف النار.
أما لبنان، فيبقى كما كان دائماً على خط الزلازل الجيوسياسية…
يسأل السؤال نفسه في كل حرب: هل تنتهي هنا، أم أن فصلاً جديداً لم يبدأ بعد؟


