الثلاثاء، 21 يوليو 2026
بيروت
31°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

حين امتدّت الرحمة إلى الكائنات الصامتة... كيف غيّرت الحرب نظرة اللبنانيين إلى الحيوانات الشاردة؟

فاطمة فصاعي

لم تعد مشاهد الشبان والفتيات وهم يحملون أكياس الطعام أو أوعية المياه بحثاً عن قطط وكلاب شاردة في شوارع الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت أمراً استثنائياً. فمنذ الحربين الأخيرتين اللتين شنتهما إسرائيل على لبنان، برزت ظاهرة لافتة تمثلت في تزايد الاهتمام الشعبي بالحيوانات التي وجدت نفسها فجأة بلا مأوى أو أصحاب أو مصدر للغذاء، بعدما غادر آلاف السكان منازلهم تحت وطأة القصف والنزوح.
وبين الأبنية المدمرة والشوارع التي خلت من سكانها، لم تكن الحيوانات بمنأى عن آثار الحرب. فالكثير منها تُرك خلف الأبواب المغلقة أو في الطرقات، وبعضها أصيب أو فقد القدرة على تأمين غذائه، فيما بقيت حيوانات أخرى تنتظر عودة أصحابها أياماً وربما أسابيع.
هذه المشاهد دفعت كثيرين إلى التحرك بصورة عفوية، فبدأوا بإطعام الحيوانات، وتأمين المياه لها، ونقل المصاب منها إلى العيادات البيطرية، أو البحث عن عائلات تتبناها مؤقتاً أو بشكل دائم.
ولعل اللافت أن هذا الاهتمام لم يعد محصوراً بجمعيات الرفق بالحيوان أو بعدد محدود من الناشطين، بل امتد إلى شريحة واسعة من المواطنين الذين لم يسبق لهم الانخراط في هذا المجال. وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تمتلئ يومياً بصور وفيديوهات لحيوانات تحتاج إلى علاج أو مأوى، يقابلها تفاعل واسع من متابعين يسارعون إلى تقديم المساعدة أو التطوع أو نشر النداءات.
ويرى مراقبون أن هذه الظاهرة تعكس تحولاً اجتماعياً يستحق التوقف عنده، إذ يبدو أن الحرب، على الرغم من قسوتها، أيقظت لدى كثيرين شعوراً أعمق بالمسؤولية تجاه الكائنات الأضعف، ورسخت فكرة أن المعاناة لا تقتصر على الإنسان وحده، بل تشمل أيضاً الحيوانات التي تعيش في البيئة نفسها وتتأثر بالأحداث من دون أن تملك وسيلة لحماية نفسها.

عندما تصبح الرحمة وسيلة لمقاومة آثار الحرب…

لا يقتصر تفسير هذا السلوك على الجانب الإنساني فحسب، بل يمتد إلى الجانب النفسي أيضاً. فاختصاصيو علم النفس يشيرون إلى أن الإنسان الذي يعيش تجربة الحرب، بكل ما تحمله من خوف وفقدان وعدم استقرار، يسعى غالباً إلى القيام بأفعال تمنحه شعوراً بأنه ما زال قادراً على حماية الحياة وإحداث فرق، ولو كان بسيطاً.
وفي هذا السياق، يصبح إنقاذ حيوان جائع أو مصاب أكثر من مجرد عمل تطوعي، بل رسالة داخلية يوجهها الإنسان إلى نفسه، مفادها أن الرحمة لا تزال موجودة رغم كل مظاهر العنف. كما أن العناية بالحيوانات تساعد كثيرين على تخفيف التوتر واستعادة شيء من التوازن النفسي، إذ تمنحهم لحظات من الهدوء والتواصل مع كائنات لا تعرف سوى الثقة بمن يمد لها يد العون.
وتشير دراسات نفسية إلى أن التفاعل مع الحيوانات قد يسهم في الحد من التوتر والقلق، ويعزز الشعور بالتعاطف والانتماء، وهي مشاعر يحتاج إليها الإنسان بشدة بعد المرور بتجارب قاسية كالحروب والنزوح.

من مبادرات فردية إلى ثقافة مجتمعية…

ومع مرور الوقت، بدأت هذه المبادرات تتخذ طابعاً أوسع، فلم تعد تقتصر على تصرفات فردية، بل تحولت لدى كثيرين إلى ممارسة يومية. فهناك من يخصص جزءاً من دخله لشراء الطعام للحيوانات، وآخرون يضعون أوعية المياه أمام منازلهم، فيما ينظم متطوعون حملات لإطعام الحيوانات أو نقلها إلى أماكن أكثر أماناً.
هذا التنامي يعكس تغيراً في نظرة المجتمع إلى الحيوانات الشاردة، بعدما كانت تُعامل في كثير من الأحيان بوصفها مصدر إزعاج أو خطراً يجب التخلص منه. أما اليوم، فأصبح عدد متزايد من اللبنانيين ينظر إليها باعتبارها كائنات حية تستحق الحماية والرعاية، ولا سيما أنها كانت هي الأخرى ضحية للحرب.

فرصة لتعزيز ثقافة الرفق بالحيوان…

ويرى ناشطون في هذا المجال أن ما أفرزته الحرب من مبادرات تطوعية يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لترسيخ ثقافة الرفق بالحيوان في لبنان، ليس فقط من خلال إطعام الحيوانات الشاردة، بل أيضاً عبر دعم برامج التعقيم والتلقيح والعلاج، وتشجيع البلديات والجمعيات والأطباء البيطريين على التعاون لإيجاد حلول مستدامة لهذه الظاهرة.
كما أن نشر الوعي في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام حول أهمية احترام الحيوانات وحقوقها قد يسهم في بناء جيل أكثر إدراكاً لمسؤوليته تجاه البيئة والكائنات الحية.

الرحمة لا تعرف حدوداً…

قد تكون الحروب قد خلفت دماراً هائلاً وخسائر يصعب تعويضها، لكنها كشفت أيضاً عن وجه آخر للمجتمع اللبناني، وجه يقوم على التعاطف والإحساس بالمسؤولية تجاه كل حياة مهددة، حتى وإن كانت حياة كلب أو قطة لا تستطيع أن تنطق بما تعانيه.
إن ازدياد الاهتمام بالحيوانات الشاردة ليس مجرد ظاهرة عابرة فرضتها ظروف استثنائية، بل قد يكون مؤشراً على تحول ثقافي واجتماعي يعكس اتساع مفهوم الرحمة لدى اللبنانيين. فالإنسانية الحقيقية لا تظهر فقط في مساعدة الإنسان، بل أيضاً في حماية الكائنات الأضعف التي تشاركنا هذا الوطن، وتدفع هي الأخرى ثمن الحروب التي لم تخترها.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

نجميات

لأن الصدق مع النفس اهم ما يتحلى بهِ الانسان ، فلا تبحث عن مكانتك بين الناس ، فصدقك يُحدد مكانتك : ** ان العقل الذي لا يراجع افكارهُ ، يُشبه ساعة متوقفة عن الحركة وتريد ان تحدد...

نجميات من مكة المكرمة

ينتابك الاحساس في بيت الله ، ان اقرب الناس إلى الله هم اكثرهم رحمةً بعباده ** وانت في مكة تشعر ان إيمانك يمنحك قوة تُحررك من كل شرور الدنيا : ** يتأكد لديك – في مكة –...

جيهان خليل تشيد بأداء منتخبي المغرب ومصر: ربنا يديم المحبة بين الشعبين

أعربت الفنانة المغربية جيهان خليل عن سعادتها الكبيرة بالمستوى الذي يقدمه منتخبا المغرب ومصر رغم صعوبة المواجهات المقبلة، مشيرة إلى أن قرعة البطولة وضعت المنتخبين أمام منافسين من...

نجميات

لا يعرف الإنسان إلى اين ستقودهُ طموحاته مستقبلاً ، لأن من طبيعتهِ التغير ، حتى وان اعتقد بأنهُ ثابت : ** من يتعامل مع الحياة بمرونةٍ يقترب من تحقيق ما يطمح اليه ، لأن من يتصلب...

نجميات

ما من انسانٍ يُعرف قبل ان يخوض غُمار الحياة ، لذلك فهو لا يختار ان يكون حُراً لأنهُ لا يستطيع ان يكون غير ذلك : ** الحرية ليست امتيازاً بل انها عبءٌ دائم ، والهرب منها شكل آخر من...

البطلة اللبنانية الصغيرة لورين عبد الصمد قررت الانسحاب من بطولة العالم للشطرنج لفئة دون 8 سنوات المقامة في جورجيا كي لا تجتمع باللاعبين الإسرائيليين. يُذكر أن لورين لاعبة مميزة...