مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة، بل فكرة وطنٍ يقوم على الشراكة بين مكوّنات متعدّدة اجتمعت لتبني دولة تتّسع للجميع.
المشكلة التي واجهها لبنان عبر تاريخه لم تكن في تنوّعه، بل في محاولة بعض القوى تحويل هذا التنوع إلى معادلة هيمنة. فكلّما حاول فريق أن يتصرّف وكأنّه صاحب الحق الحصري في الوطن، دخل البلد في دوّامة صراعات وانقسامات، لأنّ فكرة الاحتكار تتناقض مع طبيعة لبنان نفسه.
لبنان ليس وطناً لطائفة واحدة، ولن يكون كذلك. هو وطنٌ لجميع أبنائه، بكلّ طوائفهم وانتماءاتهم. ومن يصرّ على التعامل معه كأنه مساحة نفوذ لفريق دون آخر، إنما يقود البلد إلى مزيد من التصدّع بدل أن يساهم في بنائه.
لقد أثبتت التجارب المتكرّرة أنّ كل محاولة لاحتكار لبنان أو إخضاعه لمنطق الغلبة سرعان ما تقود إلى الأزمات.
فالدول التي تُبنى على الإقصاء تبقى هشّة، أمّا الدول التي تقوم على التوازن والعدالة فتكون أكثر قدرة على الاستمرار.
والحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها هي أنّ لبنان لا يقوم بالغلبة بل بالتوازن، ولا يستمر بالإقصاء بل بالشراكة. وأي مشروع سياسي يقوم على تفوّق طائفة على أخرى هو مشروع محكوم بالفشل، لأنه يتجاهل طبيعة هذا البلد وتركيبته.
إن إنقاذ لبنان لا يبدأ بإعادة توزيع النفوذ بين الطوائف، بل بإعادة تثبيت فكرة الدولة. دولةٌ يشعر فيها كل مواطن أنّه شريك كامل في الوطن، لا تابعٌ لزعيم ولا ضيفٌ في أرضه. دولةٌ يكون فيها القانون هو المرجعية الوحيدة، لا موازين القوى الطائفية.
لبنان يحتاج اليوم إلى إعادة تعريف العلاقة بين أبنائه: علاقة مواطنين في دولة واحدة، لا جماعات تتنافس على اقتسام وطن. فالوطن لا يُدار بمنطق الحصص، ولا يُبنى بعقلية الغلبة، بل يُصان عندما يشعر الجميع أنّه بيتهم المشترك.
إن أكبر خطر على لبنان ليس تنوّعه، بل محاولة تحويل هذا التنوع إلى ساحة صراع دائم. فالتنوّع يمكن أن يكون مصدر غنى إذا حُكم بمنطق الدولة، لكنه يتحول إلى مصدر نزاع إذا أُدير بمنطق الطوائف.
لهذا فإن معركة لبنان الحقيقية اليوم ليست بين طائفة وأخرى، بل بين مشروعين: مشروع الدولة التي تجمع الجميع تحت سقف القانون، ومشروع النفوذ الذي يحاول أن يحوّل الوطن إلى ملكٍ لفئة دون سواها.
وفي النهاية تبقى الحقيقة بسيطة وواضحة، لبنان لم يُخلق ليكون غنيمة يتقاسمها الأقوياء، ولا مساحة نفوذ تحتكرها طائفة دون أخرى. لبنان وُجد ليكون وطناً مشتركاً لجميع أبنائه، وإذا ضاعت هذه الحقيقة… ضاع الوطن نفسه.
لبنان إمّا أن يكون وطناً لجميع أبنائه… أو لن يكون وطناً لأحد.
حين يصبح الوطن ملك طائفة، يموت الوطن. وحين يصبح وطناً للجميع، تولد الدولة…


