منذ أعوام، وانا لا أضع في بيتي شجرة ولا اضيء زينة في استقبالك، اعذرني يا أيّها المسيح، ان ذلك لن يشفي الحزن الغميق الذي هشّم روحي.. لم أكن يوماً متديّنة، لكنني آمنت بفكرك بكلّ سرور، كنت ابتهج فرحاً حين أرى صورتك في بيتنا وبيوت الأقارب ،واعتقدتك فرداً من العائلة، وحين سألت اهلي من هذا الفتى الحزين ؟ولماذا يشير الى قلبه هكذا؟، اجابوني انه Jesus وهو يحب الأطفال مثلك، انا يا عزيزي مثال لا بأس به عن “دعوا الأطفال ياتون إليّ” ، “ولذلك لم اغادر طفولتي على الرغم من بلوغي الخمسين، ولان الأطفال هم الصدق والبراءة من خبث العالم، فاعدك انني سابقى اقتنص الفرح واحب الغناء والموسيقى.
أخبرك انه من هواياتي الرقص وصناعة النكتة لإضحاك الأصدقاء، ثم اضحاك نفسي، انا اصنع هذا الهامش من الفرح واختلقه حتى استطيع تحمّل كل هذا الألم ،وحتى تمنحني هذه الهدنة النفسية مزيداً من الطاقة استعداداً لانطلاق معركة جديدة مع الحياة، كما يقول الحكيم “شوبنهاور”.
ثقافة الفرح التي تتوّج رسالتك ايها المسيح تساعدني على المستوى الإنساني، حتى لا يتوقف قلبي من الوجع ،حين ارى طفلاً يموت من البرد والجوع في غزة، وأخواته يقتلهم الغزاة أمام مرأى العالم من دون رحمة.. اقول لك وانت الناصري الفلسطيني الذي تحوّل مع أمه مريم لِلاجِئَيْن الى مصر ،وهي الحضن الأول لكل شريد وحالم، مصر التي كانت أم اوطاننا الصغيرة المقهورة تحت تاريخ من الاستعمار.. ولانّ مصر وطننا الأكبر، لا أعرف أن كنت سأعيد تعريفك بنازح ام بلاجىء.. فكلنا غرباء في اوطاننا مهما اختلفت التسمية. وستعبّر عن كيف اراك “اغنية المسيح” التي كتبها عبد الرحمن الابنودي ولحنها بليغ حمدي وغناها العندليب عبد الحليم حافظ، والتي تخاطب كل فلسطيني كمسيح جديد
فيها كثير من الرسائل التي أراد هذا الثلاثي الفني المبدع قولها للراي العام في الغرب ،من على مسرح “رويال البرت هول” عاصمة وعد بلفور، أي لندن، كم فهمك الابنودي حينما قال “دلوقتي يا قدس ابنك زي المسيح غريب.. غريب”، اليوم بات اللاجيء ارعابياً وخطراً أمنياً، و”نفايات بشرية” ينبغي التخلص منها، وهذه الصفات الجَمعيّة التي يروّجها من يقولون انهم ينفذون تعاليمك يا معلّم، لكن في الحقيقة هم ينفذ تعليمات “طوماس باراك “”وطوني بلير”ويمهرون المسيحية بالصهيونية ،وهما ضدّان لا يلتقيان كما الليل والنهار.. فهل يمكن أن تتلاقى ثقافة المحبة بحركات الظلم والاستعباد؟ وهل يمكن أن تنصهر “اعطنا خبزنا كفاف يومنا بالبطون الجشعة لسماسرة السياسة الذين يحكمون العالم الجديد أنت موجود في وجه كل غريب ومقهور ومكلوم ؟فما الذي” يجمعك”بقتَلَة؟!!
أيها المسيح الجليلي ابن صيدا، صديق الصيادين الفقراء، انت لم تكن ارعابياً ، حين حطمت الهيكل على رؤوس الفَسَدة والمُرابين بدم الناس، كنت ثورة على سماسرة الدين ،و طلبت ان نسمع اقوالهم ولا نفعل أفعالهم، لماذا تتجاهل الكنيسة اليوم قضايا الفقراء و درب آلام أهالي غزّة والجنوب والبقاع اللبنانيين؟ ايها المسيح انت ثورة على الظلم التاريخي الذي وقع على شعوبنا الحرّة. وانت عيسى هو الحقّ في القرآن الكريم، وانت مسار للتمرّن الصعب على قدرة الحب والعدالة، ومن يتنكر لك فقد تنكّر للحق والطريق والحياة، الست انت هذا الثالوث الذي يجب أن يرفع الإنسانية في طموحها الطبيعي للتطوّر نحو الافضل على حد تشخيص الحكيم “زردشت؟”
إذن انت لستَ اورتوذكسياً مثلي ولا وطنك اليونان، ولا مثل امّي لاتينياً ووطنك الفاتيكان، انت الإنسانية التي تعلو على كل الهويات
أيها المسيح، كنت فدائياً فقيراً، مُحباً رائعاً، لكنك لم تكن يوماً مُسالماً على طريقة مُستسلِم، “تقولون الحقّ والحقّ يحرّركم” وانت “جِهاد النفس” الذي حدّثتني عنه الجدة ام زهير المختار تلك الطرابلسية الحيفاوية ،التي بكت فلسطين كما بكت ابنها المظلوم مازن المختار، وجهاد النفس هي طريق الآلام ذاتها .. اي احمل صليبك واتبعني..ها انا بجنوني وضعفي، بعقلي وقوتي احمل صليبي وانا اتهلّل بعيد ميلادك كل يوم.
المعذرة لانك حالياً، وبدلاً من الكمنجات، وقصائد درويش والسياب.. تبكي على العرب الهاربين من الأندلس.


