الأحد، 13 سبتمبر 2026
بيروت
33°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

لبنان بين نار الجنوب ورسائل واشنطن: هل ما زال أحد يملك القرار؟

كارولين ياغي

في أي وقت يعتقد فيه اللبنانيون بأن الحرب بلغت أوجها، يكتشفون أن المنطقة لا تزال في أول الطريق. الجنوب يحترق مجدداً، الغارات الإسرائيلية تتوسع، والحديث عن وقف إطلاق نار يبدو أقرب إلى مادة إعلامية منه إلى واقع ميداني. وواشنطن، التي تُقدَّم دائماً بوصفها الوسيط تبدو اليوم غارقة في حساباتها أكثر من أي وقت مضى، فيما المنطقة كلها تعيش على إيقاع رسائل النار المتبادلة بين إيران وإسرائيل، وبين طهران والأميركيين.

يراهن لبنان الرسمي على تدخل أميركي يفرض على إسرائيل الالتزام بوقف النار قبل أي مفاوضات سياسية. فالرئيس جوزيف عون يدرك أن الذهاب إلى طاولة تفاوض فيما الجنوب يتعرض للقصف اليومي سيُفسَّر داخلياً كنوع من الإذعان، ولذلك جاءت اتصالاته المكثفة مع الإدارة الأميركية بالتوازي مع تحرك السفيرة اللبنانية ندى حمادة في واشنطن، في محاولة لانتزاع ضمانة ولو مؤقتة.

لكن إسرائيل نفسها لا تتحدث بلغة التهدئة. رئيس الأركان الإسرائيلي أعلن بوضوح أنه “لا يوجد وقف لإطلاق النار في الجبهة الشمالية”، ما يعني عملياً أن تل أبيب لا ترى نفسها ملزمة بأي سقف سياسي حالياً، وأن الميدان بالنسبة إليها لا يزال مفتوحاً.

وفي الوقت نفسه، تبدو إيران وكأنها تدير المعركة بمنطق مختلف تماماً. فهي تتعامل مع الحرب كسلسلة ساحات مترابطة: لبنان، الخليج، مضيق هرمز، وحتى البحر الأحمر. وعليه جاء الرد الإيراني على المقترح الأميركي مُحكم الشروط: إنهاء الحرب على جميع الجبهات، ضمان أمن الملاحة، والتلويح بأن مرحلة “ضبط النفس” انتهت.

كما يشعر كثيرون في المنطقة أن إيران كسبت جزءاً كبيراً من المعركة معنوياً، فالإيرانيون يرسلون صورة مفادها أنهم لا يتراجعون تحت الضغط، بينما تبدو واشنطن مترددة بين التصعيد ومحاولة احتواء الانفجار الكبير. فالأميركيون يريدون الضغط، لكنهم يدركون أن أي خطأ كبير قد يشعل الخليج كله. وفي هذا المناخ التصعيدي، علّق الرئيس الأميركي دونالد ترامب على رد إيران على المقترح الأميركي لإنهاء الحرب، معتبراً أن “الرد الإيراني غير مقبول إطلاقاً”، وقال إن “طهران هُزمت عسكرياً، ومخزونها من اليورانيوم المخصّب يمكن سحبه متى أردنا ذلك”.

وما يفاقم تأزم الوضع أن مهلة الرد الإيراني الأخيرة تبدو مرتبطة أيضاً بالموقف الصيني، إذ يُعتقد أن دونالد ترامب ينتظر نتائج اتصالاته مع بكين في ختام زيارته إلى الصين. فالصراع لم يعد يقتصر على الملف النووي، بل بات مرتبطاً أيضاً بالنفوذ في مضيق هرمز.

ومن هنا نسأل: أين لبنان من كل هذا؟

الجواب القاسي أن لبنان ليس في موقع اللاعب الفعلي، بل في موقع المتلقي للنتائج. الجنوب يدفع الثمن يومياً، والنازحون يتزايدون، والبلد يعيش على أعصاب انتظار تسوية لا يملك مفاتيحها. حتى الزيارات والتحركات السياسية، من زيارة نواف سلام إلى دمشق إلى تأجيل زيارة جوزيف عون لواشنطن، تعكس حقيقة واحدة: الجميع ينتظر صورة المشهد الإقليمي قبل اتخاذ أي خطوة حاسمة.

أما الحديث عن مفاوضات واجتماعات تمهيدية، فيبدو حتى اللحظة مجرد إدارة للوقت. لا إسرائيل جاهزة للتراجع، ولا إيران في وارد تقديم تنازل مجاني، ولا الأميركيون قادرون على فرض حل سريع. وبين هذه القوى الثلاث، يقف لبنان كمنطقة معلّقة بين الحرب والهدنة، وبين الأمل والخوف من الأسوأ.

مصير الجنوب اليوم ليس ملفاً لبنانياً صرفاً، بل بات جزءاً من التفاوض الكبير الجاري في المنطقة. ولذلك يشعر اللبناني العادي أن كل ما يُقال لا يتجاوز دائرة الحكي بحكي من بيانات واتصالات، ووساطات، ووعود لا تغيّر شيئاً على الأرض.

المعضلة الفعلية أن الناس تريد فقط أن تتوقف الحرب وأن يعود الجنوب إلى الحياة، وأن يشعر اللبناني أن بلده ليس مجرد صندوق بريد للرسائل الإقليمية.

لكن حتى الآن، لا توجد مؤشرات تدل على قرب التهدئة

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ...

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر...

لندن تصف سياسات نتنياهو بـ "التطهير العرقي"... هل بدأ تفكك التحالف الغربي مع إسرائيل؟

عندما تصدر لندن، عاصمة “وعد بلفور”، حكماً سياسياً وقانونياً على حكومة “إسرائيل” بأنها تمارس “التطهير العرقي” في الضفة، وأنها ترتكب “جرائم...

حين تقترب حرب إيران وأميركا من لبنان

لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة محصورة في جبهة واحدة، بل امتدت إلى الملاحة والطاقة والقواعد العسكرية، فيما بدأت تداعياتها تطال أكثر من ساحة في المنطقة. ومع اتساع رقعة...