سنوات طويلة ، وتطورات مثيرة حصلت ،قبل ان يسقط نوح زعيتر في قبضة الجيش اللبناني ولم يكن هذا التأخير مجرد تقصير أمني، بل نتيجة مجموعة معقّدة من الظروف الجغرافية والاجتماعية والسياسية التي أحاطت بملفه. عاش زعيتر في منطقة البقاع الشمالي، احدى اكثر المناطق إهمالاً في لبنان ، واذا كان جنوب لبنان يتقدم بالإهمال ، كل مناطق لبنان ، فإن الهجرات من قراه إلى بلاد افريقيا البكر جعلته يتجاوز التخلف من خلال ارسال مساعدات المغتربين إلى الاهل والأصدقاء ، خصوصا وهو يواجه العدو الصهيوني خلال تلقيه العدوان الصهيوني المستمر منذ نحو ستين سنة ، شكلت له تحدياً استجاب له ، خصوصاً وقد وجد دولة مثل ايران تدعمه عبر المقاومة، ووجد نبيه بري يوفر له الخدمات عبر مجلس الجنوب والوزارات والإدارات المختلفة .
البقاع الشمالي ظل محروماً اقتصادياً وخدماتياً، يضاف إلى واقعه هذا انه منطقة تعاني تضاريس صعبة ،وطرق وعرة تسمح لأي مطلوب بالتحرك والاختباء بسرعة، مما جعل كل محاولة أمنية لملاحقته محفوفة بالتحديات. كانت القرى المنتشرة حوله مليئة بالممرات الجبلية التي تسهّل الهروب قبل وصول أي قوة عسكرية، إضافة إلى شبكة واسعة من الأشخاص الذين يراقبون التحركات الأمنية ويبلغونه مسبقاً.
وإلى جانب البعد الجغرافي، لعبت الحماية العائلية والقبلية دوراً أساسياً في تأخر توقيفه. فزعيتر ينتمي إلى واحدة من أكبر العائلات في البقاع، وله شبكة اجتماعية قوية وفئة من المسلحين الذين يشكلون غطاءً يحول دون دخول القوى الأمنية إلى مناطقه من دون اشتباكات كبيرة. كانت الدولة تدرك أن أي مواجهة معه قد تتحول إلى صدام واسع مع أبناء المنطقة، وهو ما حاولت تجنبه لسنوات بسبب حساسية الوضع الأمني.
كما أن الظروف السياسية في لبنان ساهمت بشكل كبير في إطالة فترة مطاردته. فخلال سنوات طويلة كان البلد يعيش أزمات متلاحقة وانقسامات حادة، وهو ما جعل الأولويات الأمنية تتبدل باستمرار، وملف المطلوبين في البقاع لا يحظى دائماً بالاهتمام الكامل. . خصوصاً ان اي ملاحقة امنية من قبل القوى المسلحة الرسمية كانت تحتاج إلى قرار سياسي من القوى السياسية الأساسية في المنطقة ، وكان من السذاجة ( وفق الحسابات السياسية المحلية والمناطقية ) ان تتخلى هذه القوى الشيعية عن بيئتها وجمهورها ، حتى من المخالفين ، فضلاً عن ان كثيرين من المطلوبين ، امثال نوح زعيتر ، كانوا أنشأوا اقتصاداً مجزياً لعشرات الآلاف ، لم يكن لأي قوة قدرة على توفيرها لهم , خصوصاً وان ولاء هؤلاء بمعظمها لهذه القوى ، وفي معظم الأحيان مجاناً ..كذلك فإن نفوذ زعيتر الاقتصادي لعب دوراً مؤثراً، إذ كان يدير تجارة مربحة جداً سمحت له ببناء منظومة حماية ذاتية، من السلاح إلى سيارات الدفع الرباعي وأجهزة الاتصال وشراء الولاءات في محيطه. هذا النفوذ الاقتصادي خلق واقعاً يصعب على الدولة مواجهته بشكل مباشر من دون استعدادات كبيرة.
إضافة إلى كل ذلك، فإن ملف المخدرات في البقاع يرتبط بشبكات أكبر تمتد إلى خارج الحدود اللبنانية، وهو ما جعل التعامل مع زعيتر ليس مجرد توقيف شخص مطلوب، بل مواجهة شبكة تهريب كاملة لها امتدادات مختلفة. ولوقت طويل لم يتوافر قرار سياسي شامل يسمح بالتعامل مع هذا الملف بصرامة، ما جعل العملية تتأجل إلى حين تهيّؤ الظروف المناسبة.
فهل توفرت هذه الظروف الآن ؟’
هناك من يعتقد ان الموقف الايجابي الشيعي بشكل خاص من الجيش اللبناني ، ومن قائده قد يكون ساعد في تحقيق هذا الإنجاز الامني – السياسي ليس فقط على المستوى الوطني، وإنما هي رسالة إلى الولايات المتحدة ، التي وضعت نوح زعيتر على لائحة المطلوبين ..وهي التي تصرفت بطريقة غير لائقة مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل ، مما اضطرّه إلى قطع زيارته الرسمية والعودة إلى لبنان ،
نوح زعيتر وُلد عام 1977 في قرية تعلبايا في منطقة البقاع الأوسط . نشأ في بيئة ريفية تحيط بها التحديات، ما شكّل خلفية قوية لصراعه المستقبلي مع الدولة والعدالة. في بدايات شبابه، التحق بالجامعة الاميركية في بيروت، لكنه لم يُكمل الدراسة سوى لسنة واحدة قبل أن يغادر إلى سويسرا في عام 1991، حيث قضى هناك حوالي ثلاث سنوات، ثم عاد إلى لبنان وخصوصاً إلى بيروت، وهناك بدأ نشاطه في عالم المخدرات والتهريب، ما مهد طريقه ليصبح أحد أخطر التجار في البلاد.
عندما عاد من سويسرا، لم يسلك مساراً تقليدياً، بل بنى إمبراطورية في تجارة الحشيشة والكبتاغون، فضلاً عن شبكته المسلحة المعروفة باسم «ألوية القلعة» في البقاع، مما منحه نفوذاً كبيرًا في المنطقة.
خلال سنوات، كان زعيتر رمزاً للقوة والتحدي في وجه الدولة، وأصبح يُلقب بـ «بارون الحشيشة» و«إمبراطور البقاع». تُهم عديدة وجهت إليه: تجارة المخدرات، التهريب، تشكيل عصابة مسلحة، السلب، وحتى الخطف.
من الناحية القضائية، صدرت بحقه أحكام غيابية. ففي عام 2021، حكمت المحكمة العسكرية اللبنانية بالسجن المؤبد (مع الأشغال الشاقة) ضده. كذلك فُرضت عليه عقوبات دولية من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، بتهمة دوره في تهريب الكبتاغون، بحسب تقارير عدة.
أصبح زعيتر معروفاً بمظهره المميز: شعر طويل، ملابس بسيطة، وكان دائماً محاطاً بحراسه. في فيديوهات ومقابلات، تحدّى الجهات الأمنية وتحدث بصراحة عن نشاطه، مبرراً أفعاله بأنها نتيجة ظروف فرضتها قريته وبيئته.
كل هذه العوامل من موقعه الجغرافي، عائلته، علاقاته، أمواله، وتنقّله بين لبنان وسويسرا، جعلت من ملفه قضية معقدة استغرق التعامل معها سنوات طويلة. لكن في 20 نوفمبر 2025، تم توقيفه بعملية نوعية نفذها الجيش اللبناني عبر كمين محكم في طريق الكنيسة – بعلبك.
كان نوح زعيتر أيضاً شخصاً يجيد الهروب وإخفاء أثره، إذ اعتاد تغيير مكانه باستمرار والتنقل ليلاً واستخدام طرق خاصة غير معروفة لمعظم الناس، ما زاد من صعوبة ملاحقته. وكانت السلطات تتجنب تنفيذ عمليات قد تؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين، خصوصاً أن المنازل في المنطقة متقاربة والقرى مكتظة، وأي اشتباك كان يمكن أن يؤدي إلى خسائر بشرية غير محسوبة.
في النهاية، جاء توقيف نوح زعيتر عندما تضافرت الظروف السياسية والأمنية، واتّخذت الدولة قراراً نهائياً بإنهاء ملفه، فتم تنفيذ عملية محكمة قادت إلى اعتقاله بعد سنوات من المطاردة. وهكذا يمكن القول إن تأخر توقيفه لم يكن نتيجة عامل واحد، بل نتاج تفاعل طويل بين البيئة الجغرافية، النفوذ الاجتماعي، التعقيدات السياسية، القوة المالية، وشبكات التهريب التي أحاطت به وجعلت من اعتقاله مهمة بالغة الصعوبة حتى اللحظة التي نضجت فيها الظروف بالكامل.


