الأربعاء، 1 يوليو 2026
بيروت
31°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الأب الدكتور ميشال روحانا... الجسر الذي بدأ من عاشوراء

في ذلك المساء، كان كل شيء يوحي بأن المجلس سيكون كسائر المجالس التي اعتدناها في عاشوراء؛ رايات السواد تملأ المكان، وصوت القرآن يسبق الخطيب، ووجوه المؤمنين تتوافد إلى الحسينية تحمل في ملامحها مهابة الذكرى.
غير أن همسًا كان يتردد بين الحاضرين: “اليوم سيشاركنا الأب الدكتور ميشال روحانا بكلمة”
بدت الفكرة غير مألوفة عند بعضهم، ومثيرة للفضول عند آخرين، أما أنا فكنت أترقب تلك اللحظة بإيمانٍ راسخ بأن الإمام الحسين عليه السلام لم يكن يومًا حكرًا على طائفة، بل كان وسيبقى قضية الإنسان الحر، حيثما كان، وأيًا يكن انتماؤه.
دخل الأب الدكتور ميشال روحانا بهدوء الواثق. لم يكن حضوره بحاجة إلى ضجيج يسبقه، ولا إلى ألقابٍ تُعرِّفُ به. كانت خطواته الوادعة، وابتسامته الصافية، كافيَتين لتقولا إن أمامنا رجلًا يحمل مشروعًا قبل أن يحمل خطابًا. مشروعًا يؤمن بأن الإنسان يسبق كل انتماء، وأن الأوطان لا تحفظها المتاريس، وإنما يحفظها الحوار، وتبنيها المحبة، ويصونها احترام الاختلاف.
تحدث يومها عن عاشوراء، وعن فلسفة «التكاؤن» التي كرّس لها فكره، وكيف أن في عيد الأضحى يلتقي “اسماعيل بإسحق” ليشكلا رمزًا واحدًا للضحية الوحيدة التي افتدت العالم من خطيئته، أي السيد المسيح، وفتحت له باب القيامة والانتصار على الموت وتحويله من “نهاية مذرية” في الخلق إلى باب ينفتح على الخلود في جنة الخالق لمن يستأهل الجنة. كما رأيت في كلماته رؤيةً وطنية وإنسانية ترتقي بالطوائف والمذاهب الى الدين المنزّه من المصالح الفئوية، وتعيد الاعتبار إلى لبنان الذي يحلم به جميع المخلصين؛ وطنًا يرى في تنوعه مصدر غناه، وفي شراكته سر بقائه، ويرفض أن تتحول الاختلافات فيه إلى جدران تعزل أبناءه بعضهم عن بعض.
وما إن بدأ كلمته حتى التفت إلى الحاضرين وقال بهدوئه المعهود: “لقد شاركتكم الصلاة على محمد وآل محمد… فهل تشاركونني الصلاة على عيسى وآل عيسى؟” ولم يتأخر الجواب.
ارتفعت الأصوات من كل أنحاء المجلس، وكأنها خرجت من قلبٍ واحد: “اللهم صلِّ على عيسى وآل عيسى.”
لم يكن ذلك مجرد ترديد لعبارة، بل كان الحجر الأول في جسرٍ بدأ يُبنى في تلك الليلة. جسرٌ لم تشيّده السياسة، ولا فرضته المجاملات، وإنما أقامته المحبة الصادقة، والفكر المنوّر، والإيمان بأن القيم التي برزت في “الحالة الحسينية” بفضل استشهاد الإمام الحسين، عليه السلام، من أجلها، هي قيمٌ إنسانية “تكاؤنية” عبّرت عنها مواقف كل من فضل الاستشهاد مع الحق على الحياة في ذل خيانته والوقوف إلى جنب الانقسام والتخوين بين الأخوة بسبب السلطة والمال.
حين انتهى المجلس، شعرت أن شيئًا جديدًا قد وُلد. لم تكن تلك الأمسية ذكرى عابرة، بل الصفحة الأولى في حكاية امتدت سنوات، وكبرت مع كل لقاء، حتى صار الأب الدكتور ميشال روحانا أخًا كبيرًا وصديقًا عزيزًا، يجمعنا معه همُّ لبنان والارتقاء به إلى مستوى الإنسان، على ما دعا له الإمام الصدر رحمه الله والعباقرة المسيحيين الذين وقفوا إلى جانبه في الكنائس والجوامع، قبل أي عنوان آخر.
ولم يمض وقت طويل حتى ترجمنا ذلك الشعور إلى فعل. فبصفتي رئيس هيئة أبي ذر الغفاري، تشرفت بزيارة الأب الدكتور ميشال روحانا في دير مار روكز، على رأس وفد من أعضاء الهيئة. وهناك، بعيدًا عن عدسات الكاميرات والمجاملات الرسمية، اشتدت أركان ذلك الجسر. جلسنا نتحاور كما يتحاور أبناء البيت الواحد، واكتشفنا أن ما يجمعنا من إيمان بالإنسان والوطن أوسع بكثير مما يفرّق بيننا، وبأن “كل ما ارتقى التقى” من خصوصيات دينية أو مذهبية على حد قول المتصوفين من المسيحيين والمسلمين.
ومنذ ذلك اليوم، تعددت اللقاءات، وتنوعت المحطات. التقينا في الندوات الفكرية والوطنية والإنسانية التي أقيمت في حي السلم برعاية هيئة أبي ذر الغفاري، كما التقينا في الجبل برعاية جمعية القرطاس والقلم الخيرية، وفي مناسبات أخرى كثيرة. ومع كل لقاء، كان ذلك الجسر يزداد اتساعًا، مستندا إلى “قفل” أبدي أزلي لا يتزعزع وهو خير لبنان الرسالة وكرامة الإنسان فيه”، لا ليعبر عليه شخصان فحسب، بل ليصبح مساحة يلتقي عليها كل من يؤمن بأن الحوار سبيلٌ إلى الوطن، لا خروجٌ عليه.
وخلال تلك السنوات، ازددت يقينًا بأن الأب الدكتور ميشال روحانا لم يكن يحمل خطابًا عابرًا، بل رسالة متكاملة، قوامها أن التعددية اللبنانية ليست أزمة ينبغي التخلص منها، بل نعمة ينبغي صونها، وأن الاختلاف لا يكون خطرًا إلا حين يغيب الاحترام، وأن الوطن لا يبقى وطنًا إذا استبدل لغة الشراكة بخطاب الإقصاء والكراهية.
ومن المحطات التي أعتز بها كثيرًا، مشاركتي إلى جانبه، وبدعوة كريمة منه، في معرض الكتاب في أنطلياس، أثناء توقيع كتابي «التعايش الإسلامي المسيحي من الذاكرة الشعبية – الجزء الأول» الذي حمل احتضن في طيّاته لمسات فكرية من فلسفته التكاؤنية. ولم يكن ذلك اللقاء عاديًا، فقد جاء في أيام العدوان الصهيوني على لبنان، حين كان الوطن ينزف، وكانت أخبار الشهداء والدمار تثقل القلوب.
في تلك الأيام، كانت رسائله تصلني تباعًا، تحمل من الصدق ما يبدد القلق، ومن الإيمان ما يبعث الطمأنينة. كان يقول لي: “أنتم دائمًا بقلبي… أنتم دائمًا بصلاتي… سلّم على الجميع… الله يحميكم ويحمي لبنان.”
ولم تكن تلك الكلمات مجاملة عابرة، بل صلاة صادقة خرجت من قلب أحب لبنان بكل مكوناته، وتألم لكل جرح أصابه. وهناك، في زمن الحرب، أدركت أن الجسر الذي بدأ في عاشوراء قادر على أن يصمد أمام العواصف، لأن “قفل قنطرته” و “أساسه، لم يكونا المصلحة، بل المحبة والإيمان بلبنان الرسالة الخالدة.
وخلال أربع سنوات من المعرفة، لم أشعر يومًا أن أحدنا لا يشبه الآخر، كما يحاول البعض أن يصور الاختلاف. على العكس تمامًا، كنت أرى في كل لقاء مساحة جديدة من الشبه؛ فكلانا يحمل همَّ لبنان، ويؤمن بأن الإنسان هو الغاية، وأن الإيمان الحقيقي لا يُقاس بما نعلنه من شعارات، بل بما نبنيه من جسور، وما نصونه من كرامة الإنسان، وما نغرسه من أمل في وطن أتعبته الانقسامات.
وكان من المقرر، كما في الأعوام السابقة، أن يشاركنا الأب الكريم في إحياء ذكرى عاشوراء هذا العام، إلا أن الخضّة الإعلاميّة الظرفيّة التي تسبّبت بها آراءُه الحرّة والموضوعيّة، والتي لا بدّ يحميها الحق بحريّة الرأي والتعبير، بخاصّة من قبل رجل دين، والتي ينبغي أن تبقى حقًا مصونًا لكل صاحب فكر ومسؤوليّة.
ومع ذلك، لم تمنعه مشقة السفر إلى كندا من أن يكون حاضرًا في مشروعنا الوطني الكبير «رؤى في الوعي الوطني نحو وطن يتسع للجميع». فقد أصر على أن يشارك بكلمة فلسفية وطنية متميزة، أضفت إلى المشروع بُعدًا فكريًا وإنسانيًا من “تكاؤنياته”، وأكدت أن المسافات تعجز عن إبعاد أصحاب الرسالات الصادقة.
واليوم، كلما عدت بذاكرتي إلى تلك الأمسية العاشورائية الأولى، ما زلت أسمع صدى تلك الأصوات وهي ترتفع في أرجاء الحسينية: “اللهم صلِّ على عيسى وآل عيسى.”
فأدرك أن بعض اللحظات لا تنتهي بانتهاء المجالس، لأنها تتحول إلى ذاكرة وطن، وأن بعض الرجال لا يتركون أثرهم في الحجر، بل في القلوب. ولعلّ الأب الدكتور ميشال روحانا واحدٌ من أولئك الذين اختاروا أن يبنوا الجسور في زمنٍ كان كثيرون يتقنون فيه بناء الجدران، فاستحق أن يبقى حضوره شاهدًا على أن لبنان، مهما اشتدت عليه المحن، سيظل قادرًا على أن يجمع أبناءه حول كلمة سواء، إذا صدقت النيات، وخلصت الرسالة، وانتصر الإنسان للإنسان.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بعد اعتقال فاسدين عراقيين في بلدهم وبدء الملاحقة في الأردن هل اتى دورهم في لبنان ؟

تشهد العراق تصعيدا غير مسبوق في حملة مكافحة الفساد، بعدما واصلت الاجهزة الامنية والقضائية تنفيذ سلسلة اعتقالات وملاحقات بحق شخصيات سياسية وحكومية ونيابية ، وسط تاكيدات رسمية بان...

في منحنًى سياسي بالغ الخطورة تشهده إسبانيا هذه الأيام،

وضع البرلمان الإسباني رئيس الوزراء “بيدرو سانشيز” أمام مقصلة سياسية حاسمة مخيراً إياه بين مسارات محددة: الاستقالة الفورية، أو الخضوع لتصويت سحب الثقة، أو الدعوة...

ماذا يجري في العراق ؟

يتداول ناشطون ،خبر تطويق اجهزة الامن منزل رئيس مجلس النواب السابق محمد الحلبوسي ، بهدف اعتقاله وزوجه !! يأتي هذا التداول في وقت تجول فيه دبابات الجيش العراقي ، في اماكن عديدة في...

«حينَ صارَ الرمادُ حيادًا»

لا القرى في الجنوب ماتتْ… بل تبدّلتِ الأسماءُ فوقَ الركام، وصارَ للبيتِ المهدومِ رقمٌ… وللأمِّ التي تجمعُ بابَها من بينِ الحجارةِ تقريرٌ… وموعدُ انتظار. كانَ العدوُّ واضحًا...

قرأت تغريدةً للأصيلة، ابنة بيروت، الدكتورة رلى حوري، تقول فيها: “نحن أهل طريق الجديدة نرفض أن يشكرنا أهل الجنوب، فلا شكر على واجب.” ثم أتبعتها بقولها: “بل على...

انقسام المشهد العربي وتداعيات المواجهة في منطقة الخليج العربي

تعرض المشهد العربي إلى حالة من الانقسام الاستراتيجي الحاد وشهد تداعيات مباشرة نتيجة التصعيد العسكري الواسع الذي انطلق في فبراير 2026، والذي شمل مواجهة مفتوحة – ليست حالة...