في وطنٍ يزداد فيه الفقر، وتتآكل فيه رواتب الموظفين والمتقاعدين، ويعيش المواطن تحت ضغط الغلاء والانهيار، يأتي رفع راتب النائب إلى خمسة آلاف دولار شهريًا ليكشف حجم المفارقة بين واقع الناس وامتيازات السلطة. فالدولة التي تقول إن خزائنها عاجزة عن إنصاف الموظف والعسكري والمتقاعد، تجد المال متاحًا عندما يتعلق الأمر بأصحاب القرار.
المسألة ليست في قيمة الزيادة وحدها، بل في الرسالة التي يحملها هذا القرار إلى اللبنانيين: حقوق الناس يمكن أن تنتظر، بينما امتيازات المسؤولين تجد طريقها سريعًا إلى التنفيذ. وهذا المال هو مال اللبنانيين جميعًا؛ من العامل والموظف والمزارع وصاحب المؤسسة الصغيرة إلى المغترب الذي يرسل مدخراته إلى عائلته.
إن استمرار هذا النهج يعمّق فقدان الثقة بالدولة، ويجعل المواطن يشعر بأن العدالة تُطبَّق بمعيارين. والأخطر أن يتحول الغضب من الفساد إلى صراع طائفي، فيدافع كل فريق عن فاسديه ويهاجم فاسدي الآخرين، بينما يستمر الفساد في نهب الوطن بأكمله. فالفساد لا طائفة له، والفقر لا مذهب له، والجوع لا يميّز بين مسلم ومسيحي، ولا بين شيعي وسني ودرزي.
لبنان اليوم يحتاج إلى وحدة المظلومين، وإلى وعيٍ يتجاوز الانقسامات الطائفية والحزبية، لأن المواطن أمام المستشفى أو المدرسة أو أبواب الهجرة لا تُسأله هويته السياسية والطائفية، بل يواجه أزمةً واحدة هي أزمة وطنٍ أنهكته منظومة المحاصصة والفساد.
لقد آن الأوان لحراكٍ وطني شعبي سلمي وحضاري، يستعيد فيه اللبنانيون المبادرة، ويطالبون بدولة القانون والعدالة والكفاءة والمحاسبة. إنها ثورة وعي وضمير قبل أن تكون ثورة شارع، هدفها استعادة الدولة من قبضة الامتيازات والمحاصصة، وإعادة الاعتبار للمؤسسات ولحقوق المواطن.
فالمناصب والكراسي زائلة، أما ذاكرة الشعوب فباقية. والتاريخ لا يقيس المسؤول بعدد المراسيم التي وقّعها، بل بقدر العدالة التي حققها والكرامة التي حفظها للناس.
ويبقى السؤال: كيف يمكن مطالبة المواطن بالصبر والتضحية، فيما يرى حقوقه مؤجلة وامتيازات السلطة مستعجلة؟ إن لبنان لن ينهض بزيادة امتيازات الطبقة الحاكمة، بل حين يصبح الإنسان اللبناني وكرامته وحقوقه المعيار الأول لكل قرار، وحين تصبح الدولة وطنًا لجميع أبنائها، لا غنيمةً يتقاسمها أصحاب النفوذ


