قال اخوان الصفا ان ليس بعد التناهي في الزيادة غير النقصان بينما يقول هيغل ان ليس بعد القمّة سوى الانحدار ، لسنا بحاجة لأي قول لندعم قراءتنا لأن وضوح الامور تكفي
بلد يعجّ بالعظماء ، يفيض بالمتألهين ، بلد فيه الإبنة إن طَلب منها والدها ان تناوله قنينة ماء من المطبخ أجابته بلطف ليعَتبر انّها ليست سيرلنكية او بنغلادشية البيت،بلد إذا تشاجرت في أفقر ازقّته إمرأتان بسبب شطف درج ، صاحت الأولى بوجه الثانية و بفجور انّها حيث تضع قدمها لا تستطيع ولا فرصة و لا نصيب لها أن تضع رأسها لأنها من عائلة كذا.
بلدٌ إذا مات فيه الكاهن تحوّل نكاية بآخرين لقديس يصنع المعجزات و إن مات شيخاً تحوّل كيداً لوليّ ولرجل صالح يجوز التبرك بجدران ضريحه، بلدٌ إن نجح فيه مواطن بإمتياز حتى لو كان مبدعاً وطنياً في المسرح والموسيقى على صعيد بلد صغير صار عبقرياً وإن غنّى الآخر صار ولو بكلمات غير مفهومة موسيقاراً.
بلدٌ إن نجح فيه كاتب برواية صار اديباً عالمياً وإن تمكن آخر برفع علم على إحدى قمم هملايا قالوا عنه أنّه انجاز انساني تاريخي رفع اسم لبنان إلى المرّيخ.
بلد حتى أسماء محلات الفلافل فيه ملكا او إمبراطوراً “فلافلياً” وأسماء المستشفيات فيه أسماء آلهة وانبياء.
هذا اللبناني الذي إن طار كدجاجة ارض قالوا أنّه حلّق عالياً في الآفاق وإن غطس لعشرين متراً كسمكة واسطة جعلوا منه مغامراً وصل إلى أبعد الأعماق.
:انا” متضخمة شوفينيا تتهم الغريب بكل مساوئ الدنيا وتبرئ لصوصها ومجرميها وفاسديها وحتى مصارفها وإن أحرجَ بعض النرجسيين زعموا أنّ باقي المواطنين لا يشبهونهم.
“أنا” مضطربة في علاقتها مع نفسها اوّلاّ ثم مع الآخرين إلى حدّ أن الشوفينية والنرجسية اذا اجتمعتا مع الريبة والتوجس والشك والعظمة صارتا “كم ارزة عاجقين الكون”في العالم القديم والحديث.
هذه “الأنا” التي تعرف كل شيء وما حول الشيء والتي خلقها الرب وكسر القالب وربما والله أعلم هي التي خلقت بعل وإيل وباقي الجماعة في محفل الآلهة لم تنتج غير حروب اهلية كل خمس وعشرين سنة لتبادل الهزائم قبل الانتصارات و الشماتة بالثأر المؤجل والمتحقق بأيدي اجانب او أغراب او أشقاء في الدين والقومية وحتى في اخوة رضاعة اللؤم.
وكأنّ هذه الأنا رضعت من الاله الفرعوني سيت او الإله الفينيقي مُوت .
تلك الأنا المتضخمة المرضية التي تصرخ من قعر مجاري الصرف العالمي مفتخرة بإنتماءاتها المتوهمة والخيالية ترفض حتى النقد الذاتي لأنها معصومة عن الخطأ لا بل الخطأ صفة الآخرين وحدهم.
لا تقتنع الأنا اللبنانية انها صارت مسخرة كل” أنا “بين الأمم.
تلك الأنا مستعدة للتفاخر كيداً حتى في طقوس أحزانها ومآسيها ضد بعضها بعضاً.
لا أنا مشبّعة بالاضطراب كالأنا اللبنانية المركبّة من أسوأ الأحجار والمعادن والقصص والاوهام والاحداث الطائفية التاريخية المشوّهة.
من هنا ومن شجرة محررة في بلدة حاروف وجالسا على تنكة تاترا صدئة ومطعوجة ومحروقة أعلن:
لا أنا رديئة كالأنا اللبنانية وخير علاج إلغائها بدل تعديلها وبناء أخرى متواضعة و واقعية لأنّ تكاثرها مؤذ للانسانية وللاجيال القادمة.
“انا” مثيرة للشفقة والضحك احياناً.
والله اعلم.


