الإثنين، 22 يونيو 2026
بيروت
27°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الجزء الثاني التشيع المذهبي والتشيع العلمي في الإسلام – التشيع العلمي

التشيع العلمي : ذلك الذي دفع فريقاً من المفكرين الكبار والعلماء المختبريين الى الكشف عن سر المادة وسر الحياة وباعثهم الى ذلك الإيمان العميق بالإسلام وحق آل البيت ، والعمل على نصرتهم والمحاولات لتسليمهم زمام الحكم من أجل أن يملأوا الدنيا عدلاً مثلما ملأها سواهم ظلماً وجوراً وعلى رأس هؤلاء جابر بن حيان الشيعي الكوفي الكيميائي .

كان جابر تلميذاً في الكيمياء لدى خالد بن معاوية بن يزيد والقس أهرون ، كما كان تلميذاً للإمام جفر الصادق في العرفانية وقد بلغت مؤلفاته الخمسمائة تُرجم بعضها الى اللاتينية وعدّه رجال السكولاستيك واحداً من أكبر علماء التاريخ وأخطر المحوّلين ، حتى أن فريقاً منهم سموا العصر الوسيط عصر جابر بن حيان .

سلك جابر طريقه العلمي الى التتبع والاستقراء اللذين هما سبيل كل باحث مختبري تطبيقي ، لا يطلق الأحكام إلا بعد أن يتثبت من بحث الأجزاء فرداً فرداً ليقرر بعد ذلك مبدأ الكلية العام ، وهذه السبيل اتبعها الجاحظ المعتزلي علمياً كما سنها أبو الهذيل العلاف شكيّاً ، فكان الجاحظ واضع الأسس العلمية في البحث والاستقراء في كتابه الحيوان حيث كان يبحث وينتظر ويراقب ثم يحلل وينظر في النتائج والتحولات ثم يقرر بعد ذلك .

أما مذهب العلاّف في الشك الذي يوصل الى اليقين فهو القائم على النظر في مختلف الأشياء ومتباين حالاتها ، ثم التحليل والبحث لجلاء الحقيقة التي تجيء خلاصة لمراحل البحث والشك ، لذا فإن الحقيقة ليست نتيجة الصواب بل نتيجة الشك الذي يوصل الى الصواب كالشجرة المزروعة في أرض مسمّدة تسقى بماء ملوث ولكنها تعطي ثمرة حلوة شهية .

جابر بن حيان كان صاحب مذهب في البحث العلمي والمنهج الشكي وقد عُرف به في أوروبا واشتهر أكثر مما عرف واشتهر في المشرق ، ومن مبادئ جابر العلمية أنه حاول أن يصنع الذهب بتحويل المعادن الأخرى الى هذا المعدن الثمين وقد شجعه على ذلك جعفر البرمكي وزير الرشيد الأول وسائر آل برمك .

يتهم التاريخ آل برمك بأنهم كانوا يتظاهرون بالإسلام ويضمرون الغدر به لاستعادة مجد الفرس قومهم ، وأنهم كانوا متشيعين شأن معظم الفرس وقد وجدوا في جابر مساعداً خطيراً يمكنهم من الحصول على مال كثير بتحويله المعادن الى ذهب ، وبه يشترون الناس والمجد ، بينما كان جابر يبحث ويجهد ليتوصل الى كشف علمي يرضي به ضميره ويفرح به قلبه ويقدمه للإنسانية كي تغني بها حضارتها المشتركة ، لكن جابر لم يوفق الى ذلك التحويل الذي شغل العلماء ، وتراخى في موالاة بحثه بل ربما تهرب من البرامكة وفشا أمرهم وتآمرهم فسحقهم هارون الرشيد .

وبالتالي رأى جابر رؤيا ولعب لعبة الكون فقرر مبادئ قد لا تتوصل البشرية الى وعيها بعد آلاف السنين فمن تلك المبادئ تقريره المدهش : ” كل شيء قابل للتحول الى أي شيء ” وبذلك هدم جابر النظريات القاصرة المباشرة التي تقول ” بأن حقائق الأشياء ثابتة ” و ” أن ما بالذات لا يتخلف ” ونظر أبعد من أرسطو العقلاني وأفلاطون المثالي ، بل أنه سبق عصره ونظر كونياً الى ما  نظر أينشتاين وداروين وقبله غاليليو وكوبرنيكوس نظرات جانبية جزئية إذ هم قرروا أن للمادة في شكلها الظاهر حقيقة لا تتخلى عنها ، وأن في الكون وحدات وجزئيات متعددة .

بينما نظر جابر الى أبعد وأعمق منهم كلهم فلمس دائرة المصدر وقرر أن الوجود الأول حقيقة واحدة ، وعنه صدرت الأشياء جميعها ، لذلك فإن في كل شيء قدراً من كل شيء ” والظواهر متباينة لكن الحقيقة واحدة ، جابر بن حيان يرى أن الأشياء في الكون من قمتها في الإنسان فالحيوان فالنبات فالماء فالجماد تتحلل الى ذرة واحدة بل فلها جوهراً واحداً فلو أنك عربت كل موجود من هذه الموجودات ، وربما قفز جابر جمالياً الى الفنون فعد الفنان هو الذي يلمح ما بين البعيد الأبعد والقريب الأقرب من أشباه تُعدُ عامل وحدة ، لذلك فالفنان يلمح بما له من موهبة هذه الصلات .

يضاف الى ذلك فإن جابر يقول ” الاسم عين المسمى ” وهو يتذكر قول الرسول الكريم ” لقبوا أولادكم قبل أن يلقبهم السفهاء ” كذلك فهو يفهم سيكولوجياً أن التسمية الخيرة تؤثر في صاحبها على كثرة ما يسمع ترديد اسمه ، وتحمله على التحلي بالحسن أو التأثر بالاسم إن كان يجنح الى السوء فيزيد المعاملة بالأسوأ ، من هذا النسيج علق السورياليون أهمية كبرى على شيئية الشيء ، واللفظة بحد ذاتها كما فعل الرمزيون قبلهم ، وكل ذلك لعمري طرف من فلسفة جابر بن حيان .

” في بيت أبي خبز كثير ” فأهلاً بالجائعين ” وفي خزائن الكتب المتخمة بالتراث العربي كنوز أكثر ، فهل للمتشوقين الى المعرفة أن يكشفوا تلك الكنوز ؟ ، ليدركوا أن منجزات كثيرة في عصرنا الراهن سبق اليها آباؤنا العرب ، وأنه من العار على الأمم البترولية وهيئة الأمم المتحدة أن تبقى ملايين المخطوطات مخزونة تنتظر النور ، وأن يكون أحد العبقريات العالمية جابر بن حيان ، لا يرجع الباحث الى شأن مراجعه  الا ويحزن لأن الاسم كبير كبير  ، وما لدينا منه قليل قليل .

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الشرع بين جبهتين: حسابات التعقيد السوري والإسرائيلي واللبناني

يقف أحمد الشرع اليوم أمام معادلة جيوسياسية بالغة التعقيد، تحكمها أربعة محاور متداخلة: الداخل السوري، الضغط الإسرائيلي في الجنوب، احتمال الانزلاق نحو مواجهة مع لبنان في الغرب،...

غرزةُ العجمي في عُنق الكاوبوي: عباس عراقجي مهندسُ الهزيمة المخملية!

في الصالونات الباردة لعواصم القرار، حيث تظن واشنطن أن مصائر الشرق تُطبخ على عجلٍ فوق طاولة الابتزاز، يجلس عباس عراقجي ببرودٍ يوازي صقيع جنيف. الرجل لا يفاوض؛ بل يحيكُ الهاوية...

الاتفاق الأميركي-الإيراني: إعلان فشل الأهداف الكبرى

إذا قسنا الاتفاق بنتيجة “الأهداف المعلنة” قبل 2023، فالصورة تختلف تماماً. الميزان هنا ليس مكاسب تكتيكية، بل أهداف استراتيجية سقطت. أميركا: فشل في تغيير النظام، نجاح في...

الديانة الإبراهيمية الجديدة واتفاقات ابراهام : جدلية التقارب الديني والتطبيع السياسي في الشرق الأ

برز بقوة في المشهد السياسي والوضع الديني لمنطقة الشرق الأوسط منذ عام 2019، مصطلحين مترابطين هما: “الديانة الإبراهيمية الجديدة” كدعوة للتقارب بين الديانات السماوية...

ترامب : أنا الزعيم الرجل "الغريب العجيب "الذي حكم أميركا بمبعوثيه وألغى الدولة العميقة

حين دخل دونالد ترامب قاعة الحكم في واشنطن ،لم يدخل كسياسي تقليدي، بل دخل كمدير تنفيذي يقولها صراحة: “أنا الزعيم وأنا المدير”. فأسقط هيبة البروتوكول، واختزل الدولة...

حين تقال الحقيقة متأخرة

لا شيء يعلو طويلًا على الحقيقة، حتى الجبال التي تبدو أبدية تنحتها قطرةٌ لا تُرى. كلُّ شيءٍ يبدأُ روايةً، ثم يشيخُ حتى يصبحَ شهادة. قالوا: القوةُ أن تربح، وقال آخرون: أن تبقى، لكن...