يمثل تكليف علي الزيدي تشكيل حكومته ،لحظة سياسية شديدة الحساسية في تأريخ العراق المعاصر ،إذ جاءت ولادة هذه الحكومة وسط تقاطع ضغوط داخلية وخارجية غير مسبوقة ،وفي ظل بيئة إقليمية مضطربة أعادت طرح سؤال السيادة العراقية بوصفه جوهر الأزمة السياسية والأمنية في البلاد، حيث أن الحكومة التي نالت ثقة البرلمان بصورة جزئية مع تمرير 14 وزير فقط من أصل 23 حقيبة
لا تعكس مجرد خلافات تقليدية، على توزيع المناصب بل تكشف عن صراع إرادات عميق بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ،و الولايات المتحدة الأميركية داخل بنية النظام السياسي العراقي نفسه.
لقد بدا واضحا أن الإدارة الأميركية سعت عبر ضغوط مباشرة وغير مباشرة إلى إعادة صياغة التوازنات داخل السلطة التنفيذية العراقية ،و من خلال منع وصول شخصيات مرتبطة في الفصائل المسلحة إلى مواقع القرار السيادي ،ولا سيما وزارات الأمن والخدمات ذات التأثير الإستراتيجي. وفي المقابل دفعت إيران -وحلفاؤها داخل الإطار التنسيقي -بإتجاه الحفاظ على حضور الفصائل بوصفها جزءا من المعادلة السياسية التي تأسست بعد العام 2003. معتبرين أن إقصاء هذه القوى لا يمثل أستهدافا لفصيل بعينه بل محاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي العراقي .بما يتوافق مع الرؤية الأميركية للمنطقة.
هذا الأشتباكات السياسية أنعكست بصورة مباشرة على توازنات القوى داخل قوئ الإطار التنسيقي .
حيث ظهر أنقسام بين تيار يدعو إلى تجنب الصدام مع الولايات المتحدة الأميركية حفاظا على أستقرار الدولة العراقية ،ومنع الأنهيار الأقتصادي ،وآخر يرى أن الرضوخ للضغوط الأميركية يمس جوهر المعادلة الشيعية التي حكمت العراق خلال العقدين الماضيين .وفي هذا السياق ،فإن تراجع نفوذ نوري المالكي الأمين العام لحزب الدعوة الإسلامية
داخل عملية تشكيل الحكومة بعد سقوط مرشحيه لوزارتي الداخلية والتعليم العالي ،يعكس تحولات مهمة في موازين القوى داخل البيت السياسي الشيعي ،وكما يكشف عن تغير في طبيعة الدعم الدولي والإقليمي لبعض الشخصيات التقليدية و
غير أن التحدي الأخطر الذي يواجه حكومة علي الزيدي لا يتمثل فقط في إكمال تشكيلتها الوزارية ،وإنما في قدرتها على إدارة أزمة السيادة العراقية في ظل إختلال موازين القوة الإقليمية ،حيث أن العراق اليوم يجد نفسه عمليا عاجزا عن فرض سيطرة كاملة على مجاله الجوي وحدوده الإستراتيجية..بالتزامن مع إستمرار النشاط العسكري الأميركي والإسرائيلي في المنطقة ،وتصاعد التوترات المرتبطة بالمواجهة مع إيران وتأتي الأنباء المتعلقة بوجود قوة إسرائيلية في صحراء النجف الأشرف لتضع الحكومة الجديدة أمام أختبار بالغ الحساسية ،لأنها تمس بصورة مباشرة هيبة الدولة العراقية وصدقية خطاب القوى السياسية التي رفعت طوال السنوات الماضية شعار حماية السيادة.
الروايات المتعددة بشأن الحادثة سواء تلك التي تحدثت عن إنزال عسكري محدود ،أو التي أشارت
إلى محاولة إنشاء قاعدة مؤقتة تكشف في جميع الأحوال عن خلل أمني و مخابراتي و أستخباري عميق داخل المنظومة العراقية ،فمجرد قدرة قوة أجنبية على التحرك داخل الأراضي العراقية والوصول إلى مناطق صحراوية حساسة ثم الأنسحاب من دون مواجهة حاسمة ،يمثل مؤشرا على حجم الفراغ السيادي الذي تعانيه الدولة و كما أن تضارب المواقف الرسمية بين النفي الجزئي والتأكيد المحدود و يعكس الحرج السياسي الذي يواجهه العراق في التعاطي مع ملف شديد التعقيد يرتبط مباشرة بالعلاقات مع أميركا و إيران في آن واحد.
ومن الناحية الإستراتيجية فإن الحديث عن أختراق إسرائيلي للأراضي العراقية لا يمكن فصله عن طبيعة التحولات الأمنية التي شهدتها المنطقة منذ حرب أكتوبر العام 2023. حيث تحولت الساحة العراقية إلى جزء من مسرح الأشتباك الإقليمي غير المباشر ،بين الكيان الصهيوني وإيران .
وفي هذا السياق فإن أي وجود عسكري إسرائيلي داخل العراق -حتى وإن كان مؤقتا أو إستخباريا” يحمل رسائل متعددة أولها توكيد القدرة الإسرائيلية على الوصول إلى عمق الجغرافيا العراقية. وثانيها توجيه إنذار للفصائل المقاومة بأن خطوط الأشتباك باتت مفتوحة ،وثالثها أختبار رد فعل الحكومة العراقية وحدود قدرتها على حماية المجال الوطني.
و أقتصاديا تبدو حكومة علي الزيدي أمام معادلة أكثر تعقيدا ،إذ يتزامن تشكيلها مع أزمة مالية خانقة ناجمة عن تعطل صادرات النفط ،نتيجة أضطرابات الملاحة وإغلاق مضيق هرمز وهو ما يهدد قدرة الدولة على الإيفاء بإلتزاماتها المالية ،وفي مقدمتها رواتب الموظفين وتمويل الخدمات الأساسية ..وهذا يعني أن أي تصعيد سياسي أو أمني مع الولايات المتحدة الأميركية قد ينعكس مباشرة على الوضع الأقتصادي الهش ،وهو الأمر الذي يفسر ميل بعض قوى الإطار التنسيقي إلى إعتماد سياسة التهدئة المرحلية مع أميركا .
وفي البعد الأمني فإن غياب وزيري الداخلية والدفاع عن التشكيلة الحكومية الحالية يضيف مزيدا من الهشاشة إلى المشهد الأمني و السياسي .لأن هاتين الوزارتين تمثلان العمود الفقري للدولة في مرحلة تتزايد فيها التهديدات العابرة للحدود ،و كما أن استمرار الخلافات بشأن مرشحيهما يكشف عن عمق الصراع على الملف الأمني بوصفه المجال الأكثر
أرتباطا بالنفوذين الأميركي والإيراني داخل العراق و
إن حكومة علي الزيدي تبدو في جوهرها حكومة تسويات مؤقتة أكثر من كونها حكومة مشروع سياسي متكامل.. فهي تحاول الحفاظ على التوازن بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج وبين ضرورات الإستقرار ومقتضيات الصراع الإقليمي ،إلا أن نجاحها سيظل مرهونا بقدرتها على إعادة تعريف مفهوم السيادة العراقية بصورة عملية و لا خطابية ،وعلى بناء معادلة توازن جديدة تمنع تحويل العراق إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية
وفي المحصلة فإن العراق يقف اليوم عند مفترق بالغ الخطورة: فإما أن تنجح الحكومة الجديدة في أستعادة الحد الأدنى من إستقلال القرار الوطني.
وإما أن تستمر حالة الأرتهان السياسي والأمني و بما يجعل الدولة العراقية أكثر هشاشة أمام الأختراقات الخارجية والأنقسامات الداخلية .وبين أميركا و إيران يجد علي الزيدي نفسه أمام أختبار تأريخي لا يتعلق فقط بإدارة حكومة بل بإدارة دولة تواجه أمتحان السيادة والبقاء..


