السبت، 27 يونيو 2026
بيروت
28°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

راهبان على الطريق

ما إن تقترب من أعتاب ذلك البيت المتواضع، حتى يتبدّل إحساسك بالمكان من جدرانٍ محدودة إلى فضاءٍ من الطمأنينة، وكأنك تعبر من ضجيج العالم إلى سكينةٍ لا تُفسَّر، بل تُعاش. هناك، في هذا الحضور الهادئ الذي لا تفرضه مظاهر ولا تصنعه زخارف، تشعر أن البساطة ليست فقراً في الحياة، بل امتلاءً في الروح، وأن ما يستقبلك ليس بيتًا فحسب، بل حالةٌ من الصفاء تسبق الكلام وتُهذّب الداخل قبل أن ينطق اللسان.
تقرع الباب بهدوء، فتُفتح لك ملامح مطمئنة، ويستقبلك الشيخ حسن عبد الساتر، العالم الجليل والعَلّامة الكبير، بوجهٍ بشوش لا تخطئه الطمأنينة، وبقلبٍ عطوف يسبق كلماته، وبعباراتٍ قصيرة لكنها نافذة إلى الأعماق، يرددها كمن يزرع السلام في أول لحظة:
“يا أهلاً… يا أهلاً… السلام عليكم ورحمة الله وبركاته… يا أهلاً وسهلاً.”
ثم تجلس، فلا تشعر أنك في مجلسٍ عادي، بل في حضرة عَلَمٍ يتحوّل إلى روح، وذكرٍ لا ينفصل عن الحياة، وسيرةٍ للعترة الطاهرة لا تُروى كأحداث، بل تُستحضر كأنها حاضرة في كل لحظة. هناك، لا مسافة بين الفكرة والإنسان، ولا حاجز بين المعرفة والإيمان، بل امتزاجٌ عميق بين العلم والسكينة، حتى يغدو المجلس أقرب إلى مدرسةٍ تُربّي الروح قبل العقل.
يستعيد الشيخ ذاكرته نحو النجف، حيث تلقّى علومه الأولى على يد كبار الفقهاء والمراجع، وعلى رأسهم السيد ابو القاسم الخوئي والسيد محمد باقر الصدر، فتلمع الدموع في عينيه، لا انكسارًا بل وفاءً لذاكرةٍ علمية لا تموت، وامتدادٍ روحيٍّ لا ينقطع مهما تبدّلت الأزمنة.
ويمضي الحديث معه، فإذا بالوقت يفقد معناه المعتاد، فلا ساعات تُحسب ولا دقائق تُعدّ، لأن الجلسة تتحول إلى فضاءٍ من المعنى المتراكم، حيث كل كلمةٍ تحمل أثرها، وكل فكرةٍ تفتح أفقًا جديدًا، وكل لحظةٍ تُشعرك بأنك أمام تجربة حياةٍ لا أمام لقاءٍ عابر.
ويتحدث عن لبنان، لا كبلدٍ محاصرٍ بتاريخه السياسي، بل كفضاءٍ للعيش المشترك حين يكون الإنسان أكبر من طائفته وأوسع من حدوده الضيقة. يروي قصصًا لم تُكتب بالحبر، بل كُتبت بالموقف، عن صون الوجود المسيحي في المنطقة، وعن حماية الكنائس القديمة التي تجاوز بعضها مئة عام، وكأنها شواهد حيّة على إمكانية التعايش حين تُقدَّم الأخلاق على الحسابات، والإنسان على الشعارات.
وفي ذروة الاستعار الطائفي الذي اجتاح لبنان في سنوات الحرب المشؤومة، حيث تداخل الخوف بالدم والانقسام بالذاكرة، تتكشف مشاهد من سيرته تكاد تبدو خارج منطق المرحلة، لكنها في جوهرها كانت أصدق من المرحلة نفسها.
في عام 1975، في بلدة دورس _ بعلبك، كان الشيخ متوجهًا إلى بيروت برفقة ابنه البكر محمد، حين لمح عند المغيب راهبين يقفان على جانب الطريق في لحظةٍ يختلط فيها الحذر بالعزلة والخوف. توقّف دون تردد.
يقول: أشرتُ إلى ابني أن يهدأ، ثم ترجلتُ من السيارة واقتربتُ منهما، وقلت: “مرحبًا.”
وتعمّدت أن أختار هذه الكلمة لا “السلام عليكم”، لتكون أقرب إلى الطمأنينة وأخفّ على قلبٍ خائف.
ثم عرّفتهما بنفسي، وقلت لهما بهدوءٍ عميق: لا داعي للخوف. نحن وأنتم من أصلٍ واحد، ومن ترابٍ واحد، لا يفصلنا اختلافٌ بقدر ما يجمعنا إنسانٌ واحد، وربٌّ واحد.
وتابعت قائلاً: كنتُ متجهًا إلى بيروت، لكن وقفتكما على الطريق آلمتني، لأن الطريق لا ينبغي أن يكون موضع خوفٍ لأحد. نحن في ضيعتنا نُعرف بأننا أهلٌ للنصارى كما نحن للمسلمين، وقد ألقيتُ سابقًا خطاباتٍ في الكنائس ذاتها، محاولًا أن أبدد هذا التوجس بين الناس، وأن أعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان.
ثم عرضتُ عليهما أن يبيتا تلك الليلة في ضيافتنا، حيث يمكن أن يكون هناك أمانٌ ومجلسٌ مع صديقنا الخوري راعي الكنيسة في إيعات، وفي مكتبةٍ واسعة يمكن أن تتحول إلى فضاء سهرٍ حتى الصباح، ثم أوصلهما بنفسي إلى وجهتيهما. لكنهما اعتذرا.
أحدهما طلب أن يُنزل في صفرا، والآخر في بشرّي، فاستجبتُ دون تردد، لأن المقصود لم يكن الإصرار، بل إيصال الإنسان إلى حيث يريد بسلام.
وعند دير الأحمر، حين نزل الراهب الأول، لم يتمالك نفسه، فرفع صوته أمام الناس بدهشةٍ ممزوجة بالامتنان: رجل دين شيعي أوصلني بنفسه… ثم راح يصف المشهد بما يفوق قدرة اللغة على التعبير.
ثم واصلت الطريق مع الراهب الثاني حتى بشرّي، قبل أن نعود إلى بيروت مع أذان الفجر، وكأن الليل كله كان رحلةً واحدة لاختبار معنى الإنسان حين يُجرَّد من العناوين ويبقى على فطرته الأولى.
وهنا، في الجناح في الضاحية الجنوبية، تقف كنيسة مار جرجس ملاصقة لمسجد الإمام الصدر، الذي أسسه ورعاه سماحة العلامة الشيخ حسن عبد الساتر، والذي ما زال حتى اليوم مقصدًا لأهل المنطقة، حيث تُرتقى المنابر بكلماتٍ مثقلة بالدين والتدين والأخلاق والوحدة والوطنية، لا لتُعيد إنتاج الانقسام، بل لتُعيد ترميم معنى العيش المشترك في الوعي والضمير.
وفي هذا الامتداد بين مسجدٍ وكنيسة متجاورين، لا تبدو الجغرافيا حدًّا فاصلاً، بل تتحول إلى ذاكرةٍ حيّة تقول إن الإنسان يمكن أن يكون جسراً يعبر عنه الى الاخرين حين يختار أن يكون إنسانًا أولًا، قبل كل انتماء.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

«حينَ صارَ الرمادُ حيادًا»

لا القرى في الجنوب ماتتْ… بل تبدّلتِ الأسماءُ فوقَ الركام، وصارَ للبيتِ المهدومِ رقمٌ… وللأمِّ التي تجمعُ بابَها من بينِ الحجارةِ تقريرٌ… وموعدُ انتظار. كانَ العدوُّ واضحًا...

قرأت تغريدةً للأصيلة، ابنة بيروت، الدكتورة رلى حوري، تقول فيها: “نحن أهل طريق الجديدة نرفض أن يشكرنا أهل الجنوب، فلا شكر على واجب.” ثم أتبعتها بقولها: “بل على...

انقسام المشهد العربي وتداعيات المواجهة في منطقة الخليج العربي

تعرض المشهد العربي إلى حالة من الانقسام الاستراتيجي الحاد وشهد تداعيات مباشرة نتيجة التصعيد العسكري الواسع الذي انطلق في فبراير 2026، والذي شمل مواجهة مفتوحة – ليست حالة...

امرغريب ومريب !!!

غريب ومريب هذا الصمت الصهيوني عن المطالبة بتسلم رفات الجاسوس الصهيوني في سورية ، ايلي كوهين ، بعد ان صار هذا ممكناً اعتماداً على علاقة النظام السوري الجديد بالإدارة الأميركية،...

قطر... ضمير الإقليم وصوت الاعتدال

منذ السابع من تشرين الأول وحتى اليوم، لم يغب اسم دولة قطر عن صدارة المشهد الإقليمي. لم يكن ذلك لأنها طرفٌ في الصراع، بل لأنها اختارت أن تكون صوت العقل والوسيط الصبور في زمنٍ طغت...

زهرة النيل: الموت البنفسجي الذي يغتال دجلة والفرات

لم يعد ظمأ الرافدين رهناً بانحسار المطر، أو تقلبات المناخ، أو حتى غياب الرؤية في إدارة الموارد فحسب؛ بل برز من رحم هذا الجفاف غولٌ بيئي يرتدي ثوب الجمال، يُدعى “زهرة...