والحقيقة أن اليوم ليس وقت مواجهة لأن هناك عدو يريد أن يفنينا جميعا ، ليس لدينا وقت لنتناقش حول عدالة الصحابة وحول أمور نظرية لا يترتب عليها عمل ، وليس هذا وقت الخلاف على من أولى بالخلافة أبو بكر أم علي ، وإذا كان لا بد من النقاش في هذه المواضيع يجب أن يقوم بذلك جماعات متخصصة يجتمعون بزوايا أكادمية مغلقة بعيدة عن العامة وينتظرون نضج البيئة الاستراتيجية ، فاذا كانت البيئة الاستراتيجية تعيسة كما الآن حيث المسلمون يواجهون حرب وجودية منذ الحرب العالمية الاولى وهذه الامة ممزقة مخترقة ، والآن وصلنا الى قمة هذه الكارثة وعندما نرى وزير الدفاع الأميركي الف كتاب الحملة الصليبية الأميركية ويقول فيه بشكل صريح : ” كما استطاع الفرسان الصليبيون الشجعان في القرن الثاني عشر أن يكسروا شوكة الإسلام يجب على الصليبيين اليوم أن يكسروا أيضا شوكة الإسلام ” .
هذا كلام رجل مسؤول هو وزير الدفاع الأميركي الحالي وزير دفاع أكبر دولة في العالم وكاتب على ذراعه ” كافر ” باللغة العربية وراسم عليها شعار الصليبيين التي كانوا يكتبوا باللغة اللاتينية في القرن الثالث عشر ، والحملة الصليبية الجديدة هي اسرائيل مدعومة بالبروتستانتية المسيحية وهي نسخة متهودة من المسيحية متصهينة أحرص على إسرائيل من إسرائيل نفسها وأحرص على الصهيونية من الصهيونية نفسها ، وآمنوا بالصهيونية وآمنوا بجمع اليهود في فلسطين قبل أن يؤمن بذلك اليهود فهي حرب وجودية هل نحن عندنا الوقت في العراق وفي سورية وفي فلسطين وفي ايران وفي كل مكان ونناقش هذه الأمور المذهبية الجدلية هذا خطأ كبير .
نناقش نقاش أكادمي عام ولكن ليس نقاش تعبئة وتفتيت وتشتيت ومسلسلات تلفزيونية ، هذا مسلسل معاوية وهذا مسلسل علي ، إن هذا تشويش على الناس وهذا حقيقةً ظلم للناس وهناك شعور بأن الفلسطينيين في غزة يدفعون الآن ضريبة هذا التشتت وهذا التمزق بداية لحروب صليبية ، قد لا تكون بداية بل هي استمرار لها حقيقة ، فحالة غزة هي اليوم حالة القدس عندما جاء اليها الصليبيون في الحملة الصليبية الأولى ، وتخاذلت كل الإمارات الإسلامية المحيطة بالقدس ولم تقدم شيئا لها عندما جاؤوا واقتحموا وملأوا الشوارع تقتيلا وذبحا ، حتى قال أحد المؤرخين أن الدماء وصلت الى ركب الخيل والقليل الذي نجا هرب الى دمشق والى حواضر أخرى .
هي نفسها الاستباحة التي نراها في غزة اليوم ، ونفس الخيانة التي نراها اليوم فالحملة الصليبية موجودة ومتواصلة ولا شك أن الإبادة التي وقعت أثناء حصار العراق ، وتقول تقديرات الأمم المتحدة عن موت نصف مليون طفل ماتوا بسبب الحصار وبررت ذلك وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت حيث قالت نعم نعم إنها الحرب ….وطبعا الناس يتعاملون معنا ويجردونا من إنسانيتنا وهل إيران ساعدت في غزو العراق طبعاً وغزو الاميركيين لأفغانستان طبعاً ، وهل هي الوحيدة التي ساعدت فليس هناك من دولة في دول منطقتنا إلا ساعدت في ذلك … ولولا إيران لما احتلت أفغانستان ولا العراق ولولا باكستان لما احتلت أفغانستان أيضا ولولا دول الخليج لما احتلت العراق ولولا مصر كذلك .
نحن أمة مستباحة حقيقةً سواء من هو ماشي بدافع طائفي أو بدافع جبن أو خسة أو خوف من الاميركيين وهذا الذي يجب أن يتوقف بغض النظر عن الدافع والنتيجة واحدة في نهاية المطاف ، وهذا الذي يجب أن يتوقف بغض النظر الدافع وهي أن أمة تذبح وأحد مكوناتها يضحي بمكونها الآخر ، وكل يقول نفسي نفسي ..! فالذي يذبح غزة اليوم هو الذي سيذبح أهل الضفة غداً والغبي من يظن أنه سيكون آمنا في مكان وأخوه يذبح في مكان آخر، وغزة ليس لها قيمة بالنسبة لليهود لا دينية ولا تاريخية وليست جزء من الأرض التي يسمونها أرض اسرائيل .
وليس وارد ذكرها في التوراة أصلا والصراع الحقيقي بثقله الديني والبشري والسياسي والاستراتيجي هو في الضفة الغربية وهي بالنسبة لليهود مهمة دينياً وهي مهمة جغرافياً وهي المهمة ديموغرافياً وهي التي ستكون محلاً للمذبحة القادمة ، وستكون أشرس مما حصل في غزة وهناك نظرية يستخدمها الصينيون وهي : القتل بالسيف المستعار يعني تقتل ولكن بسيف غيرك وقد استخدمته أميركا في إيران بسيف صدام حسين ، وفي العراق بسيف الإيرانيين استعارت السيف العراقي لذبح ايران وامتصاص طاقاتها وعنفوانها ثم أخذت السيف الإيراني وذبحت به العراق .
ومتى سنصل الى زمن الرشد أو المجتمع الراشد ولا مناص للشيعة والسنة إلا أن يجتمعوا من أجل الدولة الراشدة الدولة التي تحترمهم جميعا ويتقدمون مجتمعين لمواجهة الحروب الصليبية ، وهذه الدول لا مكانة لها ولا عزة لها ولا مستقبل لها إلا إذا تعايشت مكوناتها واحترم بعضها بعضا وصبر بعضها على بعض ، وللمناسبة فالإيرانيون ذاكرتهم للحرب العراقية عليهم ذاكرة طرية والشيعة أقوى ذاكرة من السنة ومن خصائص التشيع الثقافية ظاهرة ذاكرتهم الانتقامية فهي لا تنسى ولا تتسامح بعكس الذاكرة السنية ، والتشيع يشتمل على مخزون نفسي هائل يدعوا للانتقام والثأر وتوجد مؤسسات دينية ضخمة كل وظيفتها هي الدعوة الى الثأر والانتقام .
وكل ما هناك من البكائيات والكربلائيات … فهم يبكون على ما حصل في القرن الأول الهجري فما بالك الحرب العراقية عليهم فهم نالوا من العراق ونالوا من صدام حسين ولم يهدأ لهم بال بعد ، فالذاكرة الإيرانية مشحونة كأكبر كارثة حصلت بين الشيعة والسنة في تاريخنا المعاصر ، وفي النهاية هو تدمير متبادل وهناك ظاهرة جديدة بدت آثارها مؤخرا في سوريا وهو ظاهرة التسامح فالرئيس السوري الجديد يريد أن ينسى ويريد أن يسامح ولا يريد الانتقام ، فهذه الروح التسامحية الجديدة لدى الشعب السوري ممثلا بحكامه ظاهرة جديدة رغم الكثير من الدماء التي سفكت والإجرام الذي حصل من قبل الإيرانيين على مدى خمسة عشر عاما ضد الشعب السوري الذي لم يقدم للإيرانيين سوى كرم الضيافة والمحبة في العهد السابق .


