الأحد، 9 أغسطس 2026
بيروت
29°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

العفو عند المقدرة

لقد استنفدت مدة توقيف المتهمين بالارهاب دون تحديد مفهومه اضعاف مايستحقون من عقوبة وما زال بعضهم على ذمة التحقيق ولم يخضعوا للمحاكمة وقد اعتقل معظمهم بسبب افكارهم وأرائهم وصدرت احكام غيابية بأخرين ومنهم من صدر بحقهم عقوبة الاعدام أو السجن المؤبد دون إثبات ودون ان يتسنى له ممارسة حق الدفاع المقدس ،وفي ظل تعطيل قاعدة ان الشك يفسر لمصلحة المتهم او تطبيق مبدأ ان المتهم بريء طالما لم تثبت إدانته اذ ان العدالة لاتنهض على الشبهات بل تستقيم بإجراء محاكمة عادلة تمهيدا لصدور أحكام قضائية لا تتأثر بتدخلات سياسية.
ان تعطيل المحاكمات للذين سموا “بالموقوفين الاسلاميين”لسنوات طويلة وانتظروا خلف القضبان ظلما وبهتانا شكل خللا ثقيلا في ميزان العدالة التي لا تحتمل التأجيل في إصدار الاحكام ،ومن خلال تجربتي المهنية حيث توكلت عن أحد الموقوفين “الاسلاميين”في سجن رومية منذ أكثر من خمسة عشر عاما وكان هدفي الانساني قبل القانوني ان أسبر في أغوار دوافعه فوجدت ظلما اجتماعيا تفاقم أكثر نتيجة ان الملف القضائي ما زال يراوح مكانه.
ثم تسنى لنا أثناء المشاركة في اجراء عملية الكشف على السجون في عهد نقيب المحامين في بيروت د. ملحم خلف واحصاء عدد الموقوفين والمحكومين في السجون ودراسة اوضاعهم الانسانية حيث فوجئنا بحالات مأسوية منها وجود كثافة من المحكومين امضوا مدة عقوبتهم وما زالوا في السجن لعدم تسديد الغرامات المالية ومنهم فاقد للحراك او عديم الحيلة اما بسبب عجز او مرض عضال او انقطاعه عن العالم الخارجي وأصبح كما يقال “مقطوع من شجرة”.
وأمام تفاقم الألم بإنتظار الموقوفين سنوات خلف القضبان ندعو الى ايجاد مخرجات قانونية انسانية تتسم بالتجرد والعمومية بشكل استثنائي خاص في حدود المتاح والممكن والمباح ووضع رؤية تضع كرامة الانسان فوق كل أعتبار واتقاء للظلم والجور في الرعية التي تأججت لفقدان الثقة بالدولة مما يقتضي الاحتكام للانصاف الذي يقترن بالرحمة واعادة التوازن بين العدالة والانصاف دون المساس بحقوق المتضرر .
والآن تطرح اللجان النيابية المشتركة البحث في عدة إقتراحات ذات الصلة وتعقد جلسات دورية للتوصل الى صيغة نهائية لسن قانون عفو عام استثنائي قبل إحالة صياغة مشروع التعديل إلى الهيئة العامة ويأتي استجابة لخيار وطني جامع يعالج تداعيات واقع لم يعد يحتمل وهو يشمل جرائم معينة لا تقاس على اشخاص معينين.
يجب ان لا يخضع هذا القانون لمعايير مزدوجة بل ينبغي الابتعاد فيه عن اي صيغة مبتورة وان لا يتأثر بالتجاذبات السياسية والمزايدات التي تبتغي استثماره سياسيا وانتخابيا او أستغلاله ليتضمن تبييض جرائم خطيرة تتعلق يالامن الاجتماعي والمالي والاقتصادي وامن الدولة الامني والعسكري.
يجب ان تستثنى جرائم الخيانة(المادتين ٢٧٤ و٢٧٥ عقوبات)والجرائم الواقعة على امن الدولة الخارجي (المواد ٢٧٣لغاية ٢٨٠ عقوبات)وجرائم التعامل والتواصل مع العدو الاسرائيلي كما ان لا يتضمن جرائم اختلاس المال العام وقانون الاثراء غير المشروع وقانون مكافحة الفساد والقوانين المتعلقة بالآثار والقتل العمد أو القصد بحق العسكريين او المدنيين وجرائم تجارة المخدرات.
يجب العمل على إطلاق سراح الموقوفين الذين تجاوزت مدة توقيفهم القانونية واستكمال محاكمتهم دون توقيف وإمكانية استبدال عقوبة الاعدام بالسجن لمدة عشرين سنة .
وأثناء الولوج في كتابة هذه السطور استوقفني صدور حكم ببراءة فضل شاكر وأحمد الاسير الحسيني في دعوى قتل هلال حمود في صيدا والتي نظرت بهذا الملف محكمة الجنايات في بيروت وهذا مايؤكد ان صدور قانون العفو العام بات ضرورة ملحة للخروج من تداعيات مرحلة مؤلمة ساهمت في أكتظاظ السجون بموقوفين لم تحسم مصائرهم او تجاوز مدة توقيف ما يستحقه المسجونين من عقوبة او الطامة الكبرى وجود مساجين ابرياء.
وكما قال الامام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه “شيئان لا يوزن ثوابهما :العفو والعدل”و”بالعدل تصلح الرعية”و”من ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق”.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

المحكمة الجنائية الدولية بين استقلال العدالة وضغوط السياسة

منذ إنشاء المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما الأساسي عام 1998، عُلِّقت عليها آمال ‏كبيرة لتكون المرجعية القضائية الدولية في ملاحقة مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد...

محمد البرادعي: الحرب الأمريكية الإيرانية دفعت الشرق الأوسط من السيئ إلى الأسوأ

علق الدكتور محمد البرادعي، المدير العام الأسبق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، على تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، معتبرًا أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران كانت سببًا رئيسيًا...

الأقمار الاصطناعية وانفجار مرفأ بيروت: هل يملك لبنان حقاً قانونياً بالمطالبة بالصور؟

بعد مرور سنوات على انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، لا يزال السؤال الجوهري مطروحاً: هل كان الانفجار نتيجة إهمال داخلي، أم بفعل خارجي، أم نتيجة تفاعل معقد بين العاملين؟ وفي ظل...

في المعاني العميقة لسورة الفلق

اعتاد المسلمون أن يقرؤوا سورة الفلق بوصفها إحدى المعوذتين، ويلجأوا إليها للاستعاذة من الشرور والأذى، حتى أصبحت جزءًا من الذاكرة الإيمانية اليومية للمسلمين.ومع ذلك، حين كنت أقرأ...

ليست سوى أميركا من استخدم النووي وسيستخدمه!!

اليوم الخميس 6 آب 2026 ويوم الاحد المقبل التاسع منه، 81 سنة مرت على ارتكاب الولايات المتحدة جريمتي حرب وضد الانسانية موصوفتين ضد اهداف مدنية، فيما اليابان (وهذا الكلام لا يُبرّئ...

تعليقا على مقال حول أهمية مضيق هرمز

مقال مهم جدا للباحث السويدي / العراقي حسين عسكري وهو مختص في الشؤون الاقتصادية والسياسية في معهد شيللر العالمي، ونائب رئيس معهد الحزام والطريق في السويد “AI” وأهمية...