الجمعة، 7 أغسطس 2026
بيروت
30°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

في المعاني العميقة لسورة الفلق

القاضية الاستاذة الجامعية ثريا الصلح

اعتاد المسلمون أن يقرؤوا سورة الفلق بوصفها إحدى المعوذتين، ويلجأوا إليها للاستعاذة من الشرور والأذى، حتى أصبحت جزءًا من الذاكرة الإيمانية اليومية للمسلمين.ومع ذلك، حين كنت أقرأ آياتها وأطالع ما كُتب في تفسيرها، كنت أشعر أنني لا أزال لم أدرك عمقها الكامل.فبعض معانيها تبدو واضحة:﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾؛ أي الاستعاذة من الشرور التي قد تصيب الإنسان في عالم الابتلاء.أما:﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾فكان يقال غالبًا إنه الليل إذا دخل وأظلم.و:﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾
كان يُفسَّر بالساحرات اللاتي ينفثن في العقد.و:﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} كان يبدو مفهومًا بوصفه التحذير من شر الحسد.

لكنني كنت أشعر أن هذه المعاني، على أهميتها، لا تكشف وحدها عن كل العمق في سورة يلجأ إليها الإنسان طلبًا للحماية من الشر.ثم قرأت هنا، خواطر للاقتصادي وائل كريم، أعاد فيها النظر إلى بناء السورة، موضحًا أن الآيات لا تعرض شرورًا متفرقة، بل تكشف تدرجًا في نشوء الشر: من صورته العامة، إلى تمكنه وهيمنته، إلى أدوات ترسيخه في الوعي، وصولًا إلى جذره النفسي.
ومن هذا التدبر إكتشفت أن ما تعيشه اليوم الامم من تمكن للمشروع الصهيوني هو نفسه ما وصف في سورة الفلق التي قدّمت مفتاح المواجهة قبل أن تتعرض لصور الشر، بآية ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾.
ثم تبدأ السورة بعرض خارطة الشر:﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾
وهو الشر العام الذي يواجه الإنسان في عالم الابتلاء؛ ما يصيبه في نفسه، أو مجتمعه، أو الكون من حوله من آلام وفتن وأذى.
ثم تنتقل السورة إلى مرحلة أخطر:﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ الغسق هو الليل ولكن الليل ليس شرًا في ذاته، بل هو آية من آيات الله، وفيه السكينة والراحة. وإنما يصبح الشر حين “يقب”؛ أي حين يدخل ويتمكن ويغشى الأشياء.فالخطر ليس في وجود الظلام، بل في أن يتحول إلى حالة مهيمنة، تفرض نفسها على الحياة، وتحجب رؤية النور، وتمنع الإنسان من تمييز الطريق.
وهنا يصبح الغسق أوسع من مجرد ظلمة حسية إنه كل ظلام يسيطر على المجتمعات: ظلام الجهل حين تُحجب الحقيقة، وظلام الظلم حين تُسلب الحقوق، وظلام الاستبداد حين تُغلق أبواب العدالة، وظلام القهر حين يصبح الباطل قادرًا على فرض نفسه.
لكن السورة لا تكتفي بوصف الظلام، بل تكشف كيف يُصنع هذا الظلام ويترسخ:﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾
وهنا تبلغ المعركة أخطر مراحلها.فالهيمنة لا تقوم بالقوة وحدها، بل تحتاج إلى السيطرة على الوعي. فالنفث هو التأثير الخفي المتكرر، والعقد هي مواضع الربط في النفس والعقل والثقافة.
إنها الحرب الناعمة:
إعلام يقلب الحقائق،
ودعاية تصنع الروايات،
وتخويف يشل الإرادة،
وتضليل يعيد تعريف الخير والشر،
حتى يصبح الإنسان أسيرًا لأفكار زُرعت فيه دون أن يشعر.
فأخطر القيود ليست دائمًا القيود الحديدية، بل تلك التي تُصنع داخل العقل حين يُعاد تشكيل وعي الإنسان من حيث لا يدري.
ثم تكشف السورة الجذر النفسي الذي يغذي هذا الشر:

﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾فالحسد ليس مجرد شعور داخلي، بل قد يتحول إلى مشروع يريد إزالة نعمة الآخر، وسلب حقه، وإلغاء وجوده.إنه الشر حين ينتقل من داخل النفس إلى واقع السلوك، ومن الرغبة إلى الفعل.

ومن هنا يمكن أن نفهم طبيعة المشروع الصهيوني بوصفه مشروعًا لم يعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل سبقها عمل طويل على مستوى الرواية والوعي.فقبل السيطرة على الأرض كان هناك صراع على الرواية، وقبل تدمير المدن كان هناك تزييف للحقائق، وقبل مشاهد الحرب كان هناك إعداد لصورة ذهنية تقلب المفاهيم، حتى يصبح المعتدي في موقع الضحية، والضحية في موقع الاتهام.
ثم لم يكتفِ هذا المشروع بالسيطرة على الأرض، بل سعى إلى التأثير في العقول، وإعادة تشكيل الوعي، وتفكيك الهوية، وإنكار التاريخ، وصولًا إلى إلغاء الآخر وحقه في الوجود.

لكن أعظم ما في سورة الفلق أن القرآن لم يكتفِ بتشخيص الشر، بل دلّ على طريق الخروج منه.فقال:
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾
ولكن الاستعاذة ليست هروبًا من الواقع، وليست كلمة تُقال باللسان ثم ينتهي الأمر.إنها ارتباط بالله، وعودة إلى منهجه، وإحياء للوعي، وتصحيح للمفاهيم، وتمسك بالحق، وعمل يترجم الإيمان إلى موقف.
فاللسان الذي يقول: ﴿أعوذ برب الفلق﴾، ينبغي أن تصدقه الجوارح، وأن يترجمه العقل وعيًا، والقلب يقينًا، والعمل التزامًا.عندها يتحقق معنى الفلق.

فالليل قد يطول، لكنه لا يمنع طلوع الفجر، والظلام قد يهيمن زمنًا، لكنه لا يستطيع أن يلغي النور.
وهكذا تبقى الحقيقة الكبرى التي تزرعها السورة في القلب: أن كل مشروع يقوم على الظلم والتضليل وإلغاء الإنسان إلى زوال، لأن سنة الله أن الفلق يعقب الغسق، وأن النور هو خاتمة الطريق.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ليست سوى أميركا من استخدم النووي وسيستخدمه!!

اليوم الخميس 6 آب 2026 ويوم الاحد المقبل التاسع منه، 81 سنة مرت على ارتكاب الولايات المتحدة جريمتي حرب وضد الانسانية موصوفتين ضد اهداف مدنية، فيما اليابان (وهذا الكلام لا يُبرّئ...

تعليقا على مقال حول أهمية مضيق هرمز

مقال مهم جدا للباحث السويدي / العراقي حسين عسكري وهو مختص في الشؤون الاقتصادية والسياسية في معهد شيللر العالمي، ونائب رئيس معهد الحزام والطريق في السويد “AI” وأهمية...

أنا مع المقاومة

أنا مع المقاومة…مع أي مقاومة…في كل زمان…وفي كل مكان. لو تهشّمت…لو حوصرت…لو تُركت وحيدة…لو ضعفت… لو تكاثر عليها خصومها…ولو وقف...

وسائل الاعلام العبرية تتحدث عن الانفجار الذي وقع في الجنوب

تناولت وسائل الإعلان العبرة الانفجار الذي وقع في بلدة مجدل زون جنوبي لبنان، والذي أدىالى  مقُتل ضابط وجندي من جيش الاحتلال “الإسرائيلي”، فيما أُصيب أربعة جنود احتياط...

رأي خارج الصندوق: أمريكا وإدارة التراجع

يبدو أن البعض قد يفهم طروحاتي، الخارجة عن المألوف، وكأنني أقول إن الولايات المتحدة، بوصفها الدولة الأولى والأقوى دوليًا، تفعل ما تشاء، وإنها اليد الخفية والطولى خلف كل حدث سياسي...

إسرائيل الكبرى: بين الحلم والواقع..

  عام 1967، بعد أن احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية إلى جانب سيناء والجولان، أعيد الى التداول مصطلح “إسرائيل الكبرى”. وهو وفق المشروع الصهيوني...