يبدو أن البعض قد يفهم طروحاتي، الخارجة عن المألوف، وكأنني أقول إن الولايات المتحدة، بوصفها الدولة الأولى والأقوى دوليًا، تفعل ما تشاء، وإنها اليد الخفية والطولى خلف كل حدث سياسي أو اقتصادي أو عسكري في العالم، وكأنني أمنحها قدرة مطلقة على التحكم بالأحداث ونتائجها.
ولمن وصله هذا الفهم، أعتذر إن لم أكن أكثر وضوحًا، وهاك البيان.
الولايات المتحدة، وهي تحتل موقع الدولة الأولى دوليًا منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وعُرف عنها التفكير البراغماتي العملي في التخطيط، مع أسلوبها الفظ في التنفيذ، تحاول إدارة التراجع في قدرتها على التحكم، بحيث تخسر أقل قدر ممكن من مصالحها ونفوذها، مع محاولة تقليص نفوذ القوى الصاعدة أو التي تمتلك قابلية حقيقية للمنافسة.
الولايات المتحدة لا تسيطر على العالم ولا تدير أحداثه بلا منازع؛ ولهذا اضطرت إلى تغيير استراتيجياتها أكثر من مرة، وانتقلت من نهج إلى آخر منذ عهد الرئيس بوش الابن، ثم أوباما، فترامب، فبايدن، ثم ترامب مرة أخرى.
لكن تغيير الاستراتيجية، بحد ذاته، ليس دليلًا على الضعف؛ فالدول القوية أيضًا تغيّر خططها وتتكيف مع المتغيرات. إنما قد يكمن الدليل الحقيقي على الضعف في أسباب هذا التغيير، مثل ارتفاع الكلفة، وتراكم الضغوط، واتساع العجز، وصعود المنافسين، وتراجع القدرة على فرض الإرادة بالطريقة نفسها التي كانت ممكنة في السابق.
فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، انفردت الولايات المتحدة بإدارة النظام الدولي، لكنها واجهت مع مرور الوقت ضغوطًا اقتصادية ومالية وعسكرية متراكمة، بالتزامن مع صعود الصين بوصفها المنافس البنيوي الأكبر، وعودة روسيا بوصفها قوة عسكرية وجيوسياسية، ومحاولات الاتحاد الأوروبي تحقيق قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي، إضافة إلى صعود قوى متوسطة تسعى إلى توسيع هامش استقلالها عن واشنطن.
كل ذلك دفع الولايات المتحدة إلى إدراك أنها لن تستطيع الاستمرار بالنهج الأحادي السابق، ولا تحمل الأعباء نفسها، ولا إدارة كل أزمة بصورة مباشرة، مع المحافظة في الوقت ذاته على تفوقها أمام الصعود الصيني.
ومن هنا بدأت واشنطن، ببراغماتيتها المعهودة، تقديم تنازلات؛ بعضها شكلي وبعضها حقيقي، لا لأنها أصبحت بلا إرادة أو تأثير، بل لأنها تحاول الحفاظ على أكبر قدر ممكن من مصالحها، وتقليل خسائرها، والإبقاء على قدرتها على التأثير في نظام دولي لم تعد تنفرد بالسيطرة عليه كما كانت في السابق.
وهنا يجب التفريق بين السيطرة الكاملة على الأحداث، وبين توجيهها أو التأثير في مساراتها أو استثمار نتائجها.
فالولايات المتحدة لا تصنع كل حدث، ولا تتحكم في جميع القوى، وقد تفشل في منع بعض التطورات، أو تجد نفسها أمام نتائج لم تخطط لها. لكنها، بحكم ما تملكه من أدوات عسكرية ومالية وتقنية وإعلامية ودبلوماسية، تستطيع في كثير من الأحيان إن لم تصنع الحدث بإعادة توجيهه، أو احتواء نتائجه، أو استثماره بما يخدم مصالحها.
الخطر الأكبر على مستقبل الولايات المتحدة ليس إيران ولا روسيا، بل الصين؛ لأن نموها الاقتصادي والتكنولوجي، واتساع نفوذها التجاري والصناعي والمالي، يشكلان التحدي الأعمق للمكانة الأمريكية على المدى البعيد.
وكل دولار، وكل قطعة سلاح، وكل قدرة عسكرية تستنزفها واشنطن في إدارة صراعات الشرق الأوسط، هي موارد لا تستطيع توجيهها إلى احتواء الصين في المحيطين الهندي والهادئ.
ولذلك، فإن ما تقوم به الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وما يبدو في ظاهره خروجًا أو تراجعًا أو سقوطًا للإمبراطورية الأمريكية، تشير غلبة الظن السياسي إلى أنه سياسة مقصودة وتنازلات محسوبة، تهدف إلى تخفيف الأعباء المالية والعسكرية المترتبة على وجود مباشر لم يعد يحمل القيمة الاستراتيجية نفسها أمام التحدي الصيني.
الأدق هنا ألا يقال إن أمريكا تغادر الشرق الأوسط أو تنسحب منه بالكامل، بل إنها تقلص انخراطها المباشر، وتعيد توزيع أعباء الأمن، وتغيّر طبيعة وجودها من إدارة يومية للصراعات إلى إشراف استراتيجي من مسافة أبعد.
فهي تريد الابتعاد نسبيًا عن خطوط الاشتباك المباشر، على عكس ما قد يبدو الآن ولحظيًا، مع الاحتفاظ بوجودها العسكري الظاهر والجاهز، وسيطرتها على الممرات البحرية، ونفوذها المالي، وصفقات السلاح، وقدرتها على التدخل حين ترى ذلك ضروريًا.
إذن، ليست المسألة مغادرةً للمنطقة، بل تغييرًا لموقع الولايات المتحدة داخل معادلتها.
فنفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يتراجع أمام القوى الصاعدة، لكنها تحاول إعادة التموضع بصورة سياسية مدروسة، وتسليم قدر أكبر من مسؤولية أمن المنطقة وتكاليفها إلى قوى إقليمية تبقى، بدرجات متفاوتة، ضمن نطاق التأثير الأمريكي، بينما تعيد هي توجيه قدراتها ومواردها نحو مواجهة الصعود الصيني.
وهذا لا يعني أن النتائج مضمونة، ولا أن واشنطن تملك السيطرة الكاملة على مسار الأحداث.
فالاستراتيجيات والحروب والأعمال السياسية قد تتجاوز الحدود التي رُسمت لها، وقد تكون تكلفتها أكبر من المتوقع، كما قد يصبح التراجع الأمريكي عن المنطقة أوسع مما تريده واشنطن نفسها. وقد تستغل قوى أخرى المساحات التي تخليها أمريكا أو تعجز عن إدارتها.
فلا توجد في السياسة نتائج قطعية، ولا تحكم مطلق في الأحداث، وإنما توجد محاولات لإدارة المخاطر، والتأثير في المسارات، وتقليل الخسائر، وتحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح.
وهذا، في ذاته، يدل على ضعف نسبي، لا على قوة مطلقة. فالدولة التي تضطر إلى تقليص التزاماتها، وإعادة توزيع أعبائها، وتقديم تنازلات حقيقية أو شكلية، هي دولة تواجه حدودًا لقدرتها وضغوطًا على مكانتها.
لكن وجود الضعف والتراجع لا يعني أن أعمالها عشوائية أو بلا تخطيط، كما يحاول البعض تصويرها من خلال التركيز على أسلوب الرئيس ترامب.
فترامب لا يصنع وحده الاتجاه الاستراتيجي للدولة، لكنه يعبّر عنه وينفذه بأسلوبه الشخصي القائم على الضغط العلني، والمساومة، والتهديد، ورفع سقف المطالب، ثم التراجع إلى الصفقة الممكنة.
فأسلوبه تجاري تفاوضي وإعلامي أكثر منه أسلوبًا سياسيًا تقليديًا، لكنه يتحرك داخل اتجاهات استراتيجية أوسع تضعها مؤسسات الدولة، ومراكز التخطيط، والمصالح الاقتصادية ،والأمنية.
لذلك، لا يصح أن نفسر السياسة الأمريكية كلها من خلال تصريحات ترامب المتقلبة أو أسلوبه الصريح والسريع، كما لا يصح أن نفصل أسلوبه عن الاستراتيجية الأوسع التي تحاول حماية الموقع الأمريكي في عالم يتغير.
الولايات المتحدة أصبحت أضعف من أن تفرض النظام الدولي القديم كما كان، لكنها لا تزال أقوى من أن تترك النظام الجديد يتشكل من دون تدخلها.
إنها قوة أولى تتراجع قدرتها النسبية، فتحاول أن تدير هذا التراجع، وتعيد توزيع الأعباء، وتحافظ على أكبر قدر ممكن من مصالحها ونفوذها، وتمنع منافسيها، وفي مقدمتهم الصين، من ملء الفراغ بسرعة.
وقد تنجح في بعض ذلك وتفشل في بعضه، وقد تخرج الأحداث عن حساباتها؛ لأن السياسة إدارة للصراع والمخاطر، وليست تحكمًا مطلقًا في النتائج.
وهناك فرق كبير بين أن تدير الدولة العالم كما تشاء، وبين أن تحاول إدارة تراجعها حتى لا تخسر موقعها دفعة واحدة.


