تتجه الأنظار اليوم إلى التحركات الأميركية المتسارعة قبيل اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني، في وقت يبدو فيه الشرق الأوسط أمام مرحلة جديدة من إعادة رسم التوازنات الاقتصادية والسياسية. فالمملكة العربية السعودية تتحول تدريجياً إلى مركز ثقل اقتصادي عربي وإقليمي، يقود مشروعاً واسعاً للتكامل المالي والتجاري، يقوم على شبكة من خطوط التجارة والسكك الحديدية والمرافئ الحديثة، إضافة إلى خطوط نفطية بديلة عن مضيقي هرمز وباب المندب، بما يضمن استقرار حركة الطاقة والتجارة العالمية.
اليوم، تتجه المملكة العربية السعودية أكثر فأكثر نحو بناء تعاون سعودي – خليجي – عربي، قد يضم مصر والأردن وسوريا وربما لبنان، وصولاً إلى تركيا، ضمن إطار اقتصادي مشترك يقوم بداية على الانفتاح التجاري والتكامل الاستثماري، وقد يتطور مستقبلاً إلى اتحاد مالي أو حتى عملة موحدة، إذا توافرت الظروف السياسية والاقتصادية المناسبة.
هذا الانفتاح الاقتصادي سيؤدي إلى فتح طرق وجسور ومعابر جديدة، إضافة إلى قنوات استثمارية ضخمة تعيد إحياء المنطقة اقتصادياً. كما أن التوجه الأميركي نحو الشرق الأوسط، والدفع باتجاه سلام عربي – إسرائيلي برعاية أميركية، يأتي ضمن رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل شرق أوسط جديد، يقوم على المصالح الاقتصادية المشتركة، ويعزز العلاقات التجارية الأميركية في المنطقة، في مواجهة التمدد الاقتصادي الصيني المتزايد.
فالولايات المتحدة، التي اعتمدت لعقود طويلة على سياسة “فرق تسد”، تبدو اليوم أمام مقاربة مختلفة تقوم على بناء تحالفات اقتصادية قوية مع دول حليفة تمتلك قدرات مالية واستراتيجية كبيرة. فالإدارة الأميركية باتت تؤمن أن قوة حلفائها الاقتصادية تمنحها قدرة أكبر على مواجهة الصين على المدى الطويل، عبر شراكات استراتيجية قائمة على اقتصاد موجّه يحمي قوة الدولار الأميركي ويحافظ على النفوذ المالي الأميركي العالمي.
وفي هذا السياق، يبدو أن واشنطن تعمل على تنفيذ خطتين أساسيتين قبل الذهاب إلى أي تفاهمات كبرى مع بكين.
الخطة الأولى تتمثل في محاولة إنهاء الملفات الساخنة في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها إيران واليمن ولبنان، لما لهذه الملفات من تأثير مباشر على أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي، إضافة إلى أهمية ضبط الممرات البحرية الحيوية للتجارة العالمية.
أما الخطة الثانية، فتتعلق بإعادة ترتيب النفوذ الأميركي في دول أميركا الجنوبية، في إطار مواجهة النفوذ الصيني المتزايد هناك، سواء عبر الاستثمارات أو الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية.
وعند اكتمال هذين المسارين، ستكون واشنطن أمام مفاوضات كبرى مع الصين حول ملفات أكثر حساسية، أبرزها مستقبل أفريقيا، ودول الشرق الأقصى، إضافة إلى الملف النووي والتوازنات العسكرية والاقتصادية العالمية.
إن العالم يدخل اليوم مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى، حيث لم تعد الحروب العسكرية وحدها هي العامل الحاسم، بل أصبحت القوة الاقتصادية، والتحالفات التجارية، والسيطرة على الممرات الاستراتيجية والطاقة، أدوات النفوذ الأساسية في رسم النظام العالمي الجديد.


