الأربعاء، 6 مايو 2026
بيروت
17°C
غائم جزئي
AdvertisementAdvertisement

احذروا دورة الدوائر على الجار والدار!!

غريب أمر هذا اللبنان ومُحيِّر في آن. انه بلد بركاني المزاج زئبقي التحالفات يوماً و”أبو هولها” حينا آخر. انه واقعه منذ وجوده في هذه البقعة من الأرض وسيبقى، كما هو، إلى ان تزول الأرض ومَن وما عليها.

سألني سفير دولة غربية: ما هي مشكلة لبنان برأيك؟ ولماذا هو دائما في وضع سيارة تمر على طريقٍ غير معبّده وملأى بالحفر والحجارة؟؟

اجبت: “مشكلة لبنان في جغرافيته وديموغرافيته. انه علامة فارقة في هذه الجغرافيا المكتظة بقوم من دين واحد تمزق صفوفهم، الخلافات القبلية والولاءات السياسية والاطماع النفعية بينما اكثريتهم الساحقة، منذ نشأتها، نظرت إلى المسيحيين نظرة عدائية، أو قل غير ودية، واذاقتهم مرارة العيش ودفعتهم إلى هجرة أرض أجدادهم طلباً للاحترام والأمان بعدما فشلت محاولات العقلاء منهم، والمتنورين، كبح جماع التزمت ورفض الآخر المختلف”.

واضفت وسط دهشة السفير السائل: “ولذا ليس مصادفة ان تكون في لبنان عشرات العائلات المسيحية من أصول سورية وعراقية وفلسطينية لجأت إليه هرباً من الموت والاضطهاد في بلدانها الأصلية واحتمت بسكانه المسيحيين الذين هم، في الأساس، مسيحيون محصنون في جبالهم المنيعة”.

وقال السفير: هذا من الماضي فماذا عن الحاضر؟ ولماذا نرى في لبنان نوعاً من اللاتفاهم الثابت بين المسيحيين والمسلمين؟

قلت: “المسيحية سابقة للاسلام في العالم وفي لبنان. والولاء المسيحي، وخصوصاً الماروني، للبنان هو ولاء ايماني وجودي وليس ظرفياً أو هامشياً. مصلحة لبنان هي الأولى عند المسيحي اللبناني لا تتقدم مصلحة عليها. فلبنان هو الأول والأخير للإنسان المسيحي بعكس اللبناني المسلم الذي ينعم بمساحة تضاهي قارة بأكملها، ويشده ولاؤه الديني إلى “إخيه في الدين” ولو على حساب الولاء لوطنه لبنان. وهنا المشكلة اللبنانية كلها، وما عدا هدا الاعتبار هو هوامش وتفاصيل”.

واستطردت قائلاً للسفير السائل: “بشاره الخوري رئيس جمهورية لبنان الماروني عارض سنة ١٩٤٨ رئيس حكومته السني، رياض الصلح، واستضاف اللاجئين الفلسطنيين في لبنان، كما ذكر السياسي اللبناني الجنوبي العريق كاظم الخليل، في مذكراته. وعندما ضاق اللبنانيون ذرعاً بمخالفات الفلسطنيين وتجاوزاتهم واعتداءاتهم وسعيهم لبث الفتنة بين اللبنانيين، تصدى لهم المسيحيون وقاتلوهم بينما وقف السنة معهم وقاتلوا في صفوفهم ضد مواطنيهم المسيحيين!! وعلى من يريد الاطلاع على أسرار ومجريات تلك المرحلة من التاريخ ان يقرأ مذكرات الراحل الكبير الرئيس صائب سلام ففيها الخبر اليقين.”

واكملت حديثي مع السفير العربي وقلت له: “لقد كان المسيحيون، الذين تعاون بعضهم مع إسرائيل في تصدّيهم للانفلاش الفلسطنيين المسلح، في طليعة داعمي “حزب الله” في مقاومته الاحتلال الإسرائيلي، وتعاونوا معه في الحكومات المتعاقبة ووافقوا على شرعنة العمل المقاوم ضد إسرائيل. وهذا يعني ان المسيحيين، وخصوصاً الموارنة، منفتحون على التعاون والتشارك مع كل مَن لا يُشرك ولاءه للبنان بأي ولاء سواه. في ضوء هذه المسلمة على السِّوا ان يتفهم دوافع الموقف من “حزب الله” وسلاحه والحزب نفسه، بلسان أمينه العام الراحل المرحوم السيد حسن نصرالله اعترف بأنه يفتخر بان سلاح الحزب وتمويله وأكله وشربه وتدريب مقاتليه هو بتمويل إيراني وانه يشرّفه بان يكون جندياً في جيش ولاية الفقيه. وبالاستناد إلى هذه العقيدة كان انغماس الحزب بحرب غزه ثم اطلاق القذائف على إسرائيل انتقاماً لاغتيال المرشد علي خامنئي وانفجار الوضع في الجنوب. وهذا التماهي مع إيران عقيدة مذهبية وموقفاً عسكرياً افقد “حزب الله” تأييد الأكثرية الساحقة من المسيحيين والسنة والدروز وقسم من الشيعة ووضع لبنان على شفا انقسام داخلي خطر ومفتوح على تطورات فتنوية تهدد كيانه”.

وهنا قاطعني السفير العربي بقوله: “ولكن المسيحيين غير موحدين احزاباً وقيادات سياسية”.

قلت: “ولا مرة في تاريخ لبنان كانت القيادات المسيحية متفقة على موقف واحد. أما اليوم فهي متفقة على رفض سلوك “حزب الله” و”تفرعنه” على الدولة وشرعيتها مع بعض التباين في الموقف بالنسبة لمقاربة أسلوب المعالجة. أي، هناك اتفاق على المبدأ وتباين بالتفاصيل، ولكن هناك رضىً مسيحي على تناغم مبدأ موقفهم من سلاح “حزب الله” مع موقف بقية المكونات اللبنانية بشكل ليس له سابقة في مثل هذه الحالات.
يا جماعه: “الجار قبل الدار”، فلينتبه الجار لجاره قبل أن تدور الدوائر على الجار والدار.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حق الشعوب بمقاومة الاحتلال و تقرير مصيرها

تضمنت كل البيانات الوزارية للحكومات اللبنانية التي شُكّلت بعد الطائف (عشرين حكومة) ،  بدءًا من البيان الوزاري لحكومة الرئيس د.  سليم الحص (في 26-11-1989) فقرات تدعم المقاومة في...

نبوءة الزوال وحتمية الانهيار من الداخل

في واحدة من أكثر القراءات السياسية سوداوية ورعباً داخل مجتمع الاحتلال، فجرت صحيفة “هآرتس” العبرية قنبلة مدوية بمقال للكاتبة كارولينا لاندسمان، أكدت فيه أن الكيان...

الجزء الثالث : تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

قد يدخلنا مبدأ التعايش بين السنة والشيعة في مأزق آخر مأزق الدولة ، بمعني عندما نطرح منطق التعايش دون منطق التقريب والسؤال المطروح التعايش على أي أساس ، التعايش على أساس المواطنة...

لبنان في مهبّ التصعيد: بين رياح التسوية ونذر الحرب الكبرى

في ظرف إقليمي شديد التأزم، يقف لبنان مجدداً عند مفترق طرق فاصل، حيث تتشابك التطورات الميدانية في الجنوب مع حسابات دولية تتخطى حدوده بكثير. فالتصعيد العسكري الأخير في جنوب البلاد،...

المأزق الأمريكي – الإسرائيلي في المواجهة الدائرة.. لماذا إيران ليست بحاجة الى سلاح نووي؟ وكيف يحاول الإحتلال الإلتفاف على قدرات المقاومة اللبنانية؟

يحلو للبعض ان يكون مدافعا عن الولايات المتحدة الأمريكية، وبالمعية عن إسرائيل، عن علم وسبق اصرار او عن جهل. ويحلو لهذا النفر ان يتهم من يقف بوجه هاتان القوتان المارقتان بتهمة...

حربُ الشياطينِ

نصنِّف الدول والحكّام ونخلعُ عليهم ألقاباً : مِنَ القيصر والأمبراطور إلى الشيطان الأكبر والشيطان الأصغر . والحقيقة ، أنَّ كلَّ دولة هي شيطانٌ أكبر وأصغر من أجل تحقيق مصالحها ،...