الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

بين بلاد الشام وواشنطن: لبنان في مهبّ الإنتظار

كارولين ياغي

قال السفير الأميركي في تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، توماس باراك، إن لبنان يواجه “تهديداً وجودياً”، وإذا لم يتحرّك لنزع سلاح حزب الله، فقد “يعود إلى بلاد الشام”. تصريح أثار موجة من القلق والأسئلة، قبل أن يسارع صاحبه إلى التوضيح بأنه لم يكن يهدّد، بل “يشيد بالخطوات التي قطعتها سوريا”، كما قال.
لكن الواقع أن الانطباع الأوّل نادراً ما يُمحى، والتصريح، مهما تمّ ترميمه لاحقاً، لا يزال يُقرأ كرسالة مبطّنة، وربما كتنبيه صريح يُراد له أن يُسمع لا أن يُفهم فقط.
ولأن السياسة الأميركية لا تتحدّث صدفة، ولا تعبّر عن نفسها بلا حسابات دقيقة، فإن هذا الكلام، على ما فيه من التباس، لا يمكن فصله عن مناخات المنطقة. الأميركيون مرتبكون، متوتّرون، يتأرجحون بين ملفات سوريا، لبنان، العراق، وإيران. وفي هذا السياق، يبدو لبنان بالنسبة إلى واشنطن مجرّد بند في ملفّ أكبر يبدأ من طهران ولا ينتهي في غزّة.
وحين لا يأتي الجواب من بيروت بشأن سلاح حزب الله، تفتح أمام لبنان أبواب التأويل، وتلوّح بما هو أبعد من السياسة: الهوية، الكيان، وربما الحدود.
لكن، لنطرح السؤال بوضوح: إذا كانت “بلاد الشام” لم تعد موجودة، فمتى أصبحت إسرائيل “موجودة”؟ هذا النوع من المقاربات، حين يصدر عن مسؤول أميركي، لا يكشف فقط عن جهلٍ في فهم تركيبة هذه المنطقة، بل يعكس رغبة دفينة في إعادة خلط الأوراق.
وليس جديداً على باراك أن يلمّح إلى سقوط “سايكس بيكو” كمرحلة منتهية. فهل تلوّح واشنطن من خلاله بإعادة رسم خرائط المشرق؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأيّ خريطة تنتظر لبنان، الغارق في الفراغ والمراوحة؟
الفضيحة الأشدّ خطورة ليست في كلام باراك، بل في ضعف الردود اللبنانيّة عليه. فهذا المسؤول الأميركي ليس مجرّد سفير، بل هو رأس الحربة الدبلوماسية المعنية مباشرة بالمشرق العربي، وخصوصاً بلبنان وعلاقاته بكلٍّ من الحكم السوري الجديد وكيان الاحتلال.
والصمت الرسمي حيال تصريح بهذا الحجم، يعني شيئاً واحداً: أن لبنان يعيش لحظة “الأيتام على مائدة اللئام”. لا صوت ولا قرار، لا رؤية ولا دفاع عن الكيان، بل مجرد تلقٍّ سلبيّ لرسائل الخارج، ولو كانت تنذر بزوال الحدود أو سقوط الدولة.
من هنا، قد يكون من الواجب أن يبادر رئيس الجمهورية، العماد جوزف عون، إلى الدعوة لعقد مؤتمر وطني جامع يناقش ملفّ السلاح بصراحة، كما يواجه الإشاعات المتداولة عن نيات سورية بضمّ طرابلس، وهي إشاعات يجري التلويح بها بوقاحة. هذه ليست قضية وظيفة سياسية، بل مسألة بقاء وطن.
أما مجلس النواب، فعليه أن يستفيق من صمته. لا يكفي أن يتابع النواب التصريحات عبر الإعلام كأنهم مواطنون عاديون. كيف يُناقش الموقف اللبناني من كلام خطير كهذا من دون تشاور مع الحكومة؟ وكيف تبقى الحكومة نفسها عاجزة حتى عن إصدار بيان؟
الحقيقة الوحيدة أنّ لبنان يعيش ركوداً شبه كاملاً، اقتصادياً، سياسياً، ودبلوماسياً. وإذا لم تُحلّ عقدة إيران، أو بالأحرى إذا لم تُفكّك ألغام المنطقة، فإن لبنان سيبقى واقفاً على الحافة: لا يتحرك، لا يسقط، لكنه ينزف ببطء.
صحيح أن هناك مؤشرات خجولة إلى إمكان التوصل إلى اتفاق في غزّة. وإذا حصل ذلك، فمن الصعب على لبنان أن يبقى خارج المشهد. كلّ تسوية في الإقليم سيكون لها ارتداد على الداخل اللبناني، سواء شاء المسؤولون أو لا.
لكن، لا تسوية تصمد من دون موقف لبناني واضح، موحّد، وفاعل. والغموض في القرار لا يردّ الضغوط، بل يستدرجها.
والصمت في مثل هذه اللحظة، ليس حكمة، بل على الأقل، انتحاراً بطيئاً على عتبة خريطة جديدة لا مكان لنا فيها.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...

إيلي أبي عكر: ضمير حي في مواجهة التعسف الحزبي

في قلب لبنان الممزق بين الانقسامات والصراعات الطائفية والسياسية، يظهر أحيانًا من يذكّرنا بأن الإنسانية ليست مجرد كلمة، بل فعل وقرار وشجاعة. إيلي أبي عكر، الشاب من جبيل، هو أحد...