السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
28°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

بين بلاد الشام وواشنطن: لبنان في مهبّ الإنتظار

كارولين ياغي

قال السفير الأميركي في تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، توماس باراك، إن لبنان يواجه “تهديداً وجودياً”، وإذا لم يتحرّك لنزع سلاح حزب الله، فقد “يعود إلى بلاد الشام”. تصريح أثار موجة من القلق والأسئلة، قبل أن يسارع صاحبه إلى التوضيح بأنه لم يكن يهدّد، بل “يشيد بالخطوات التي قطعتها سوريا”، كما قال.
لكن الواقع أن الانطباع الأوّل نادراً ما يُمحى، والتصريح، مهما تمّ ترميمه لاحقاً، لا يزال يُقرأ كرسالة مبطّنة، وربما كتنبيه صريح يُراد له أن يُسمع لا أن يُفهم فقط.
ولأن السياسة الأميركية لا تتحدّث صدفة، ولا تعبّر عن نفسها بلا حسابات دقيقة، فإن هذا الكلام، على ما فيه من التباس، لا يمكن فصله عن مناخات المنطقة. الأميركيون مرتبكون، متوتّرون، يتأرجحون بين ملفات سوريا، لبنان، العراق، وإيران. وفي هذا السياق، يبدو لبنان بالنسبة إلى واشنطن مجرّد بند في ملفّ أكبر يبدأ من طهران ولا ينتهي في غزّة.
وحين لا يأتي الجواب من بيروت بشأن سلاح حزب الله، تفتح أمام لبنان أبواب التأويل، وتلوّح بما هو أبعد من السياسة: الهوية، الكيان، وربما الحدود.
لكن، لنطرح السؤال بوضوح: إذا كانت “بلاد الشام” لم تعد موجودة، فمتى أصبحت إسرائيل “موجودة”؟ هذا النوع من المقاربات، حين يصدر عن مسؤول أميركي، لا يكشف فقط عن جهلٍ في فهم تركيبة هذه المنطقة، بل يعكس رغبة دفينة في إعادة خلط الأوراق.
وليس جديداً على باراك أن يلمّح إلى سقوط “سايكس بيكو” كمرحلة منتهية. فهل تلوّح واشنطن من خلاله بإعادة رسم خرائط المشرق؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأيّ خريطة تنتظر لبنان، الغارق في الفراغ والمراوحة؟
الفضيحة الأشدّ خطورة ليست في كلام باراك، بل في ضعف الردود اللبنانيّة عليه. فهذا المسؤول الأميركي ليس مجرّد سفير، بل هو رأس الحربة الدبلوماسية المعنية مباشرة بالمشرق العربي، وخصوصاً بلبنان وعلاقاته بكلٍّ من الحكم السوري الجديد وكيان الاحتلال.
والصمت الرسمي حيال تصريح بهذا الحجم، يعني شيئاً واحداً: أن لبنان يعيش لحظة “الأيتام على مائدة اللئام”. لا صوت ولا قرار، لا رؤية ولا دفاع عن الكيان، بل مجرد تلقٍّ سلبيّ لرسائل الخارج، ولو كانت تنذر بزوال الحدود أو سقوط الدولة.
من هنا، قد يكون من الواجب أن يبادر رئيس الجمهورية، العماد جوزف عون، إلى الدعوة لعقد مؤتمر وطني جامع يناقش ملفّ السلاح بصراحة، كما يواجه الإشاعات المتداولة عن نيات سورية بضمّ طرابلس، وهي إشاعات يجري التلويح بها بوقاحة. هذه ليست قضية وظيفة سياسية، بل مسألة بقاء وطن.
أما مجلس النواب، فعليه أن يستفيق من صمته. لا يكفي أن يتابع النواب التصريحات عبر الإعلام كأنهم مواطنون عاديون. كيف يُناقش الموقف اللبناني من كلام خطير كهذا من دون تشاور مع الحكومة؟ وكيف تبقى الحكومة نفسها عاجزة حتى عن إصدار بيان؟
الحقيقة الوحيدة أنّ لبنان يعيش ركوداً شبه كاملاً، اقتصادياً، سياسياً، ودبلوماسياً. وإذا لم تُحلّ عقدة إيران، أو بالأحرى إذا لم تُفكّك ألغام المنطقة، فإن لبنان سيبقى واقفاً على الحافة: لا يتحرك، لا يسقط، لكنه ينزف ببطء.
صحيح أن هناك مؤشرات خجولة إلى إمكان التوصل إلى اتفاق في غزّة. وإذا حصل ذلك، فمن الصعب على لبنان أن يبقى خارج المشهد. كلّ تسوية في الإقليم سيكون لها ارتداد على الداخل اللبناني، سواء شاء المسؤولون أو لا.
لكن، لا تسوية تصمد من دون موقف لبناني واضح، موحّد، وفاعل. والغموض في القرار لا يردّ الضغوط، بل يستدرجها.
والصمت في مثل هذه اللحظة، ليس حكمة، بل على الأقل، انتحاراً بطيئاً على عتبة خريطة جديدة لا مكان لنا فيها.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...