قد يدخلنا مبدأ التعايش بين السنة والشيعة في مأزق آخر مأزق الدولة ، بمعني عندما نطرح منطق التعايش دون منطق التقريب والسؤال المطروح التعايش على أي أساس ، التعايش على أساس المواطنة وأبناء القومية الواحدة أو على أساس الأمة الواحدة وهناك مشتركات كثيرة ، فالعراقيين مثلا يجمع بينهم الإسلام ويجمع بينهم الوطن ويجمع بين السنة والشيعة انهم عرب فالدولة العباسية التي استمرت ستة قرون ، كان عدد كبير من وزرائها شيعة رغم أن الخليفة كان دائما سني ، والدولة الفاطمية وهي دولة قائمة على المذهب الشيعي الإسماعيلي وعندها دعوة وعندها دعاة وايديولوجيا ، ومع ذلك بعض وزرائها كانوا سنة وبعض وزرائها كانوا إمامية اسماعيلية .
ونحن اليوم في الدولة المعاصرة وفي عصر الديمقراطية وحرية الانسان وتعدد الأحزاب والديانات ، تضيق عما تسعى له باع امبراطوريات أيديولوجية ….لا طبعا لكن نحن الذين يضيق باعنا اليوم ….. وأعتقد أننا من أسباب ضيق باعنا أننا لا ندرس هذا التاريخ الثري من التعايش ، فالمشكلة أن الناس بنت صورة عن التاريخ ثم استأسرت لتلك الصورة ولو فككناها سنجد أنها ليست دقيقة فالسنة والشيعة تعايشوا في أغلب مراحل التاريخ الإسلامي .
تاريخياً كانت الدولة الإسلامية مبنية على العقد أي على البيعة ، فالدولة الإسلامية هي دولة قائمة على التعاقد والتراضي وهذا معنى البيعة ، فالدولة الإسلامية بالمعنى المعياري التي نحاكمها بمبادئ الإسلام وقيم الإسلام السياسية ، فلا بد أن تكون قائمة على الشورى ، والدولة الإسلامية بالمعنى الانتروبولوجي غالبية سكانها مسلمين ، فما الذي يجعلنا نضيّق على بعضنا اليوم فكل المجتمعات الى كانت تتقاتل في الماضي أصبحت تتعايش اليوم ، فالكاثوليك والبروتستانت تقاتلوا في حرب المئة عام وفي حرب الثلاثين عاماً وفي حرب السبع سنوات أي 137 سنة كان هناك قتال بين الكاثوليك والبروتستانت وهم اليوم متعايشون ، أما نحن فأغلب مراحل تاريخنا تعايش فكيف نعجز على أن نتعايش اليوم وهذا معناه أن هناك مشكلة في تصوراتنا عن ذاتنا وفي تصوراتنا عن تاريخنا .
ومشكلة الخلاف الرئيسية كانت اجتماع السقيفة فهي مشكلة بسيطة وعابرة وحلت في وقتها في اليوم الثاني ما بعد السقيفة حينما بايع جمهور الناس ، وحصلت المبايعة لأبو بكر الصديق البيعة العامة لأن أبو بكر لم يأخذ شرعيته من انتخاب السقيفة بل من البيعة العامة ، وسارت الأمور واستمرت الخلافة الراشدة ثلاثين عاما وفتحت الفتوح وقصمت ظهر أقوى امبراطوريتان على وجه الأرض الفرس والروم ، وبنيت أسس الدولة الإسلامية كما يجب فالسقيفة كانت عبارة عن مناوشات ومناقشات أعقبها ترشيح على من يخلف النبي – ص ، فالنبي لم يعين خليفة له واتُبع القرآن لأن الله جعل الأمر شورى بين المسلمين وترك الناس يختارون من المسلمين من يقودهم بعد الرسول .
والخلاف بين المسلمين طبيعي في الممارسة السياسية حيث يقول ابن خلدون ” إن المُلك يجمع كل المرذولات الحسية والشهوات النفسية والجسدية ولذلك يقع فيه التنافس غالبا ” يعني طبيعة السياسة وطبيعة المُلك بما فيه من رغبات مما يوفر للناس من مال وجاه وتصدر ، هو مجال التنافس وهذه طبيعة الناس بل هي الطبيعة البشرية ونحن لا نستطيع أن نغير الطبيعة البشرية لكن نستطيع أن نُقننُها نستطيع نؤطرها ونستطيع أن نهذبها ، فنوقف الصراع على السلطة وبدل أن نأخذ سلاحنا ونضرب بعضنا بعضاً للوصول الى سدة الحكم ، نقيم مهرجانات انتخابية ودعايات ونتنافس وممكن أن تحصل بعض الشتائم خلال العملية التنافسية دون حصول دم .
فالمجال السياسي هو مجال تنافسي وصراع سلمي وهذه هي الواقعية فالذين ينظرون الى السياسة نظرة مثالية ، أعتقد أنهم يفكرون بطريقة خاطئة فالصراع السياسي لا بد منه ولكن قد يكون الصراع ديمقراطي سلمي يحسم بالمهرجانات والتصويت والانتخابات والتنافس السلمي الديمقراطي وقد يكون تنافس نُحوّله الى صراع دموي يُحسم بالأشلاء والدمار والدماء .
حتى بين الصحابة كان هناك صراع فالسقيفة حسمت بالتشاور والتحاور ، وعلى العكس من معركة الجمل أو معركة صفين ونحن اليوم واقعنا يشبه الواقع المعاصر للحروب الصليبية في القرون الوسطى ، من تشتت داخلي واختراق خارجي فكيف تصرف المسلمون في القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي وكيف نتصرف نحن اليوم ، فالحروب الصليبية وحّدَت السنة والشيعة فالقادة الراشدون من المسلمين أيام الحروب الصليبية نجحوا في كسر الموجة الصليبية لأنهم نجحوا جمع كلمة المسلمين سنة وشيعة ، فالقائد صلاح الدين الايوبي جمع السنة والشيعة وكان في بلاطه شيعة وأول من كتب عن حياة صلاح الدين هو شيعي وهو يحيا ابن الحلبي مؤرخ شيعي .
وكانت كل كتاباته مديح وتمجيد بصلاح الدين بالإضافة الى أن صلاح الدين الأيوبي السني عمل في بداية مسيرته السياسية وزيراً في الدولة الفاطمية ، وكان عادلاً ولم يصطدم مع الدولة وإنما حكم باسمها فكان يعرف كيف يراعي الظروف ويراعي وضع الأمة المهددة على يد عدوها الخارجي ، فصلاح الدين صبر على الدولة الفاطمية ولم يهدمها في بداية الأمر حتى مرض العاضد آخر أئمة الفاطميين ، فصعد الى المنبر وألقى الخطبة باسم الخليفة العباسي ووحد الأمة بعد أن مات الامام العاضد ….
حالة الإفناء الأليمة الأخيرة من قبل إسرائيل التي حصلت في غزة هذه المصيبة التي أصابتنا جميعا لم توحدنا كما حصل في عهد صلاح الدين ، فالعرب يعيشون حرب وجودية منذ الحرب العالمية الأولى وهذه الأمة ممزقة مخترقة ، والآن وصلنا الى قمة هذا التمزق يقول وزير الدفاع الأميركي في كتابه ” الحملة الصليبية الأميركية ” يقول فيه بشكل صريح : ” كما استطاع الفرسان الصليبيون الشجعان في القرن الثاني عشر الميلادي أن يكسروا شوكة الإسلام يجب على الصليبيين اليوم أيضا أن يكسروا شوكة الإسلام ” هذا كلام وزير دفاع مسؤول في أقوى وأكبر دولة في العالم رسم على ذراعه شعار الصليبيين باللغة اللاتينية .
التي كان يكتب بها أسلافه الصليبيون في القرن الثاني عشر الميلادي ، فالحملة الصليبية الجديدة هي إسرائيل مدعومة بالبروتستانتية المسيحية ، وهي في حقيقتها نسخة متهودة من المسيحية ومتصهينة وهم أحرص على إسرائيل من إسرائيل نفسها فهي حرب وجودية على العرب وعلى المسلمين فهل نحن لدينا الوقت لمناقشة الخلافات المذهبية التاريخية والجدلية …
يتبع في الجزء الرابع


