الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

اتفاق المصالحة مع حمشو

عقدت السلطات السورية اتفاق تسوية مع “محمد حمشو” في إطار ما دعاه البيان الصادر عن حمشو بانه اتفاق حكومي شامل، يعبر “مرحلة جديدة عنوانها الامل وبناء المستقبل من خلال التعاون الإيجابي مع مؤسسات الدولة والجهات المعنية، والقطاع الخاص وبما يخدم مصلحة الوطن والناس”.
الاتفاق اثار الكثير من ردود الفعل، ويرجع ذلك الى ثلاثة أسباب رئيسية
السبب الأول: مرتبط بشخص ” محمد حمشو ودوره في النظام الأسدي الساقط، وأقل ما يقال فيه أنه كان “ظل ماهر الأسد”، وذراعه الاقتصادي.
السبب الثاني: أن ثروته التي يتمتع بها ويفاوض على أساسها ومؤسساته المختلفة بنيت أساسا نتيجة هذه العلاقة مع أركان السلطة البائدة، ولأجل ذلك فإنه خضع للعقوبات الدولية.
السبب الثالث: ان الاتفاق بدا وكأنه اتفاق بين طرفين الدولة من جهة، وحمشو من جهة أخرى، ودون أن يعرف السوريين طبيعة هذا الاتفاق، ومكانة طرفي العقد فيه، وغياب الشفافية عن مثل هذه الاتفاقيات مدعاة للكثير من الأقاويل وللتكهنات.
والحق أن عقد اتفاقيات بين السلطة الوطنية، ورجالات وأعمدة “النظم الساقطة” التي ارتكبت جرائم بحق الوطن والمواطنين أمر يحدث خصوصا إذا كان النظام الساقط كان قد سيطر على الحكم لفترات طويلة، وخلف آثارا عميقة الأثر على الاقتصاد وعلى البنية الاجتماعية، وكانت القيادة الوطنية الجديدة تسعى إلى فتح المجال لتجاوز تلك المرحلة السوداء وآثارها.
لكن لمثل هذه الاتفاقيات شروطا لا بد من توفرها حتى تصح، وتكون اتفاقات بناءة:
** أولى هذه الشروط: ألا يكون هناك “حق شخصي” لأحد عند هذا المستهدف من رجالات النظام البائد، فإن وجد الحق الشخصي فلا بد من استيفائه، وهذا يعني أن أي اتفاق يخص “الحق العام”، حق المجتمع، سواء اتصل ذلك، المال والثروات، أم تجاوز الأمر إلى حقوق الانسان عبر مساندة غير المباشرة في الاعتداء على تلك الحقوق وعلى موجبات المواطنة من خلال إساءة استخدام الوظيفة العامة.
** ثاني هذه الشروط: أن يكون الاتفاق يستهدف معالجة حالة عامة أي “ألا يكون الاتفاق شخصي”، فلا يعقد الاتفاق من أجل فلان، وحين يعقد مع ” فلان” فإن هذا يأتي في إطار معالجة “الحالة العامة”. وهنا تعلن السلطة الجديدة رؤيتها ومشروعها “للمصالحة العامة”، ثم تطبق ذلك على كل من تنطبق عليهم هذه الشروط. وبهذا الشكل يكون الاتفاق وجها من أوجه ” العدالة الانتقالية”.
** ثالث هذه الشروط: أن تعلن تفاصيل كل اتفاق يتم في هذا الإطار، وأن يكون الاتفاق مبني على صحة ما قام عليه من معلومات وبيانات، أي أن استمراره واستقراره مرتبط بصحة المعلومات المقدمة ممن عقد معهم الاتفاق.
** رابع هذه الشروط: أن ينشأ صندوق خاص توضع فيه حصيلة هذه المصالحات، ومن ثم توجه هذه الحصيلة لمعالجة الأوضاع التي تخلفت عن تلك الممارسات الشاذة والاستئثار الذي تم في العهد البائد وأسفر عن الظلم الذي وقع على المجتمع وعلى الاقتصاد وعلى المواطنين. بنى هذا المشروع
** خامس هذه الشروط ولعله عماد ما سبق كله، أن يبنى الاتفاق على اعتراف بأن ما تقوم به الدولة حق لها مبني على ما قام به الطرف الآخر من تجاوزات على الوطن وثروته، وعلى مبدأ المواطنة الذي يفترض تساوى المواطنين إزاء الفرص التي تتيحها الدولة لهم ،سواء في الاقتصاد او التعليم أو الصحة… الخ. أي أن مشروع الدولة للتصالح لا بد أن يبنى على “نقد حقيقي وجذري” لمسار العمل، واقتناص الفرص، والرشى ودعم الظلم ،الذي كان سائدا في المرحلة الساقطة، وبالتالي فإن القبول بهذه المصالحات ،يمثل قبولا من الطرف الآخر بالنقد العام الواجب، ويعتبر دليلا على مصداقية الدخول في هذه المصالحة الوطنية.

ونحن حين ننظر إلى الاتفاق الموقع بين السلطة والسيد حمشو نرى غيابا حقيقيا لتلك الشروط، بل يبدو الاتفاق وكأنه موقع بين طرفين متساويين في القوة والمكانة والتطلع، ثم يبدو لغياب أي مستوى من مستويات الشفافية وكأنه اتفاق بين طرفين خاصين، وليس بين دولة وكيان أو كيانات شخصية.
ومن أسف أن هذه الخطوة التي تفتقر إلى مفهوم العمل المؤسسي، ومفهوم الشفافية، جاءت كغيرها من الخطوات التي تمضي بها القيادة السورية في مختلف الشؤون السياسية والاقتصادية والأمنية، وكلها ذات تأثير جوهري وبعيد الأثر على سورية : وطنيا وشعبا وهوية. ومن أسف أن يجري ذلك كله ونحن في مرحلة انتقالية يفترض أن يتم خلالها تجنب إلزام الوطن والمواطن بما هو أبعد من حدود المرحلة الانتقالية.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...