لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث يسعى كل طرف إلى رسم مستقبل سورية بما يخدم مصالحه الاستراتيجية، وهو ما يجعل احتمال الاحتكاك بينهما أكثر واقعية من أي وقت مضى.
فتركيا تنظر إلى سورية باعتبارها عمقها الأمني المباشر، وتسعى إلى إعادة بناء الدولة السورية ومؤسساتها العسكرية بما يضمن قيام جيش قادر على فرض الاستقرار ومنع أي تهديد لأمنها القومي، ولا سيما من جهة التنظيمات الكردية المسلحة. وفي المقابل، ترى “إسرائيل “أن أي جيش سوري قوي ومدرب ومجهز قد يعيد مستقبلاً تشكيل تهديد على جبهتها الشمالية، ولذلك تفضّل بقاء القدرات العسكرية السورية محدودة، بما يحافظ على ميزان القوة القائم.
ولا يقتصر التباين على الجانب العسكري، بل يمتد إلى الملف الكردي. فأنقرة تعتبر قيام كيان كردي مستقل أو شبه مستقل على حدودها الجنوبية خطاً أحمر يمس أمنها القومي، بينما تنظر “إسرائيل” إلى القوى الكردية باعتبارها شريكاً يمكن أن يحقق لها توازناً استراتيجياً في مواجهة خصومها الإقليميين، الأمر الذي يضع الطرفين في مواجهة غير مباشرة داخل الساحة السورية.
أما البعد الاقتصادي، فهو ربما الأكثر أهمية والأقل تداولاً. فتركيا تعمل منذ سنوات على ترسيخ موقعها كممر رئيسي للطاقة بين الخليج وأوروبا، وتبرز بين السيناريوهات المطروحة مشاريع لنقل النفط والغاز عبر الأراضي السورية ثم التركية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية. وإذا تحقق مثل هذا المسار، فإنه سيمنح أنقرة مكاسب اقتصادية وجيوسياسية كبيرة، ويعزز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة.
في المقابل، تطرح “إسرائيل” مشاريع بديلة تقوم على تحويل موانئها وخطوطها إلى بوابة لنقل الطاقة نحو أوروبا، وهو ما يعني أن أي مشروع يمر عبر سورية وتركيا قد ينافس هذه الرؤية ويحد من المكاسب التي تطمح إليها تل أبيب.
ومن هنا، فإن الصراع في سورية لم يعد يدور فقط حول النفوذ العسكري، بل أصبح أيضاً صراعاً على خرائط الطاقة، وخطوط الأنابيب، وممرات التجارة، ومن يملك مفتاح تزويد أوروبا بالطاقة خلال العقود المقبلة.
لذلك، فإن أي تصعيد إسرائيلي داخل سورية قد لا يكون موجهاً فقط ضد أطراف سورية أو حلفائها، بل قد يُقرأ أيضاً في إطار محاولة منع تشكل واقع استراتيجي جديد يمنح تركيا نفوذاً عسكرياً واقتصادياً متزايداً على حدود “إسرائيل” وفي شرق المتوسط.
وفي ضوء ذلك، تبدو سورية مرشحة لأن تكون الساحة التي تتقاطع فيها مشاريع القوى الإقليمية، حيث يتداخل الأمن مع الاقتصاد، وتصبح خطوط النفط والغاز في أهميتها موازية لخطوط الجبهات العسكرية، وربما أكثر تأثيراً في رسم ملامح الصراع القادم.


