الأحد، 9 أغسطس 2026
بيروت
31°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الجذور التاريخية والبعد الايديولوجي لحلف الأقليات العربية مع الصهيونية

نظرية تأسيس تحالف بين الحركة الصهيونية وطوائف الأقليات في الشرق الأوسط ، وفي مقدمتها الموارنة في لبنان والطائفة الدرزية في سوريا مع إسرائيل ، قد حضرت في الفكر الصهيوني في الخمسينات عندما قمع نظام الشيشكلي في دمشق بؤرة القوة الرئيسية للطائفة الدرزية في جنوب سوريا عام 1954 فيما كان لبنان يواجه أزمة داخلية خطيرة مرفقة بضغوط خارجية جعلت الهيمنة المارونية على لبنان على المحك ، عام 1957 -1958 .

وفي هاتين الحالتين فضلت القيادة الإسرائيلية تقديم مساعدة لكلا الحالتين الموارنة والدروز وفي الوقت نفسه الامتناع عن التدخل المباشر الذي من شأنه أن يجرها الى حرب أو يجعلها عرضة لضغوط دولية قاسية هي بغنى عن كلا الحالتين ، وأيضا بسبب ما وصفه موشيه شاريت بأن السمة البارزة التي تطبع الأقليات بشكل عام هي الجبن وليس الشجاعة ، حيث يكون وضعها متردد بين الإقدام والخضوع  ، كان السؤال المطروح بحسب شاريت هو :” هل يمكننا أن نمدهم بمساعدة فعالة الى حد يوازن الخطر الذي نتسبب لهم به ” .

كان استنتاج موشيه شاريت أنه يجب الحذر الشديد في تقديم المساعدة للدروز …. وأشار في هذا السياق الى أنه من المناسب أن نتذكر كل الاقتراحات الجوفاء التي تطالبنا بالتدخل التي أثارها الموارنة في لبنان والدروز في سوريا ، وحتى الأكراد في العراق ويشدد شاريت في مذكراته انطلاقاً من رؤية بعيدة المدى أن إسرائيل ستضطر في المستقبل الى صنع السلام مع الأغلبية وليس مع الأقلية … وفي مقابل موقف شاريت الحاسم ترددت آراء أخرى من جانب الاستخبارات العسكرية ومن قبل المسؤولين في وزارة الخارجية  الإسرائيلية ، الى أهمية أن تكون دولة إسرائيل قادرة على استغلال الأحداث في سوريا من أجل العمل على اقتطاع جنوب سوريا الذي يشكل فيه الدروز والشركس الأغلبية الساحقة .

لقد وضعت نظرية ” حلف الأقليات ” أمام اختبار الواقع للمرة الأولى في شباط 1954 مع اندلاع التمرد ضد الشيشكلي ، كانت الغلبة في إسرائيل للمقاربة الحذرة التي مثلها وزير الخارجية موشيه شاريت في سبيل تقديم المساعدة للدروز في صراعهم مع النظام المركزي في دمشق ، وقد أثيرت في أوساط القيادة الأمنية الإسرائيلية اقتراحات تدعو للسيطرة على مناطق منزوعة السلاح أو حتى الصعود الى هضبة الجولان السورية … إلا أنه لم يوثق أي اقتراح حول تقديم مساعدة جدية للدروز والعمل على اقتطاع جبل الدروز من الدولة السورية .

في ذلك الوقت فضّل بن غوريون وبنحاس لافون وموشيه دايان استحضار الموقف الذي يدعو الى تشجيع الطموحات الانفصالية لدى موارنة لبنان تحديداً ، كتب موشي ماعوز في مقالته ” المجتمع والدولة في سوريا الحديثة ” : ” نزعة الدروز الانفصالية وحكمهم الذاتي السياسي وصلا الى نهايتهما ، من الآن فصاعداً بدأ أبناء الأقليات الجبلية بالمشاركة أكثر فأكثر في الحياة السياسية وصرعات القوى في الدولة … ” ان هذا التحول الجوهري الذي طرأ على موازين القوى الداخلية في سوريا في موازاة ضعف الموارنة في لبنان جعل نظرية حلف الأقليات بنظر إسرائيل فاقدا للمزايا في مواجهة التحديات وعلى رأسها صعود نجم مصر والناصرية في العالم العربي حسب بن غوريون .

وعندما تحول بن غوريون الى الشخصية الحاكمة في السياسة الإسرائيلية للمرة الثانية على اثر خروج موشي شاريت من الحلبة السياسية في الأعوام التي تلت حرب سيناء حضرت في مركز اهتمام بن غوريون ومسؤولي وزارة الخارجية نظرية التحالف مع دول الأطراف ( تركيا ايران اثيوبيا السودان ) هذه النظرية اعتبرت بالنسبة لبن غوريون والقيادة الإسرائيلية ردا مناسباً على التآمر الناصري والتمدد السوفياتي … وكان من شأنها ان تحول إسرائيل الى ذخر استراتيجي بالنسبة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط ، وفيما لعب الموارنة في لبنان دوراً رئيسياً في نظرية حلف الأقليات ، فإنه في إطار نظرية دول الأطراف لم يكن لهم أي أهمية في الرؤية الإسرائيلية .

من هنا نرى أن نظرية حلف الأقليات تراجعت في الخمسينات ، في الوقت نفسه بقي التعاطف الأساسي مع الطموحات الانفصالية للأقليات في الشرق الأوسط موجوداً وقائماً في الفكر السياسي الإسرائيلي ، وكذلك التطلع الى استخدام صراع هذه الأقليات كرافعة لإثارة القلاقل داخل الأنظمة المعادية لإسرائيل ، هذه الطموحات عادت في الستينات والسبعينات والثمانينات الى الحضور في الأفكار التي أثارها ايغال آلون لإقامة دولة درزية في جنوب سوريا ، وفي المساعدة العملية التي قدمتها إسرائيل للأكراد في العراق وللموارنة في لبنان أثناء الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975 .

هاتان التجربتان وخصوصاً مساعدة إسرائيل للموارنة في لبنان ، انتهتا بالنسبة الى إسرائيل بخيبة أمل وتعلم دروس قاسية ومؤلمة حول إشكالية الاعتماد على الأقليات في الشرق الأوسط – الإشكالية التي أشار اليها موشيه شاريت بوضوح ودقة أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست في شباط عام 1954 ، ومن ضمنها اقتراحات بن غوريون المتعلقة بتغيير طابع لبنان ( 1954- 1956 ) والنقاش داخل القيادة الإسرائيلية على خلفية اهتزاز الستاتيكو القائم في الشرق الأوسط وازدياد حدة النقاش بين بن غوريون وموشيه شاريت .

حيث أثار بن غوريون عدة مرات اقتراحات للقيام بمبادرة إسرائيلية تجاه لبنان تؤدي الى إقامة دولة مارونية ضمن حدود مقلصة وضم جنوب لبنان حتى نهر الليطاني الى إسرائيل وتحول لبنان الى رافعة لتغيرات جوهرية في الشرق الأوسط بأكمله ..

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

أي مثقف... أي دور؟

تساؤلات كثيرة تطرح في المجتمع العربي حول المثقف العربي، وهل نعيش سنوات عجافا تفتقد فيها الأمة وجود مثقفين فاعلين ؟ أم نحن أمام طفرة من المثقفين غير الثائرين؟ وأين دور المثقف في...

محمد بن سلمان... مشروع قائد لمرحلة عربية جديدة

في زمن تفتقد فيه الأمة العربية إلى قيادة ومرجعية جامعة لمواجهة الأزمات والتحديات، يبرز اسم الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد السعودي، كمشروع قيادي طموح يحمل...

هل كان ستالين مثقفًا...؟

ارتبط اسم الزعيم السوفياتي البلشفي جوزيف ستالين (1878 – 1953) بالطغيان والدموية والقمع، وهي صفات جديرة بالرجل ومرحلته التاريخية التي حكم فيها، دون نسيان ظروف الحرب العالمية...

المحكمة الجنائية الدولية بين استقلال العدالة وضغوط السياسة

منذ إنشاء المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما الأساسي عام 1998، عُلِّقت عليها آمال ‏كبيرة لتكون المرجعية القضائية الدولية في ملاحقة مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد...

محمد البرادعي: الحرب الأمريكية الإيرانية دفعت الشرق الأوسط من السيئ إلى الأسوأ

علق الدكتور محمد البرادعي، المدير العام الأسبق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، على تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، معتبرًا أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران كانت سببًا رئيسيًا...

الأقمار الاصطناعية وانفجار مرفأ بيروت: هل يملك لبنان حقاً قانونياً بالمطالبة بالصور؟

بعد مرور سنوات على انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، لا يزال السؤال الجوهري مطروحاً: هل كان الانفجار نتيجة إهمال داخلي، أم بفعل خارجي، أم نتيجة تفاعل معقد بين العاملين؟ وفي ظل...