الإثنين، 8 يونيو 2026
محافظة بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

بين الضربة واللا ضربة: لبنان والمنطقة في زمن القلق المفتوح

كارولين ياغي

لا يُشترط اندلاع الحروب في الشرق الأوسط كي تترك بصماتها العميقة. يكفي أن تُطرَح كاحتمال، حتى يبدأ القلق بالتسلل إلى الجغرافيا والناس معًا. حتى هذه اللحظة، تتكاثر التقديرات حول ضربة أميركية محتملة لإيران، تُقدَّم في الخطاب السياسي الأميركي على أنها «محدودة وحاسمة»، في إطار سعي دونالد ترامب إلى إعادة ترسيخ معادلة الردع، من دون الغرق في حرب طويلة ومكلفة. غير أن تجارب المنطقة المتراكمة تُظهر أن ما يُوصَف بالضربات المحدودة نادرًا ما يبقى محدودًا في مفاعيله، وأن الحسابات الباردة غالبًا ما تصطدم بواقع إقليمي أكثر تشابكًا وتعقيدًا.
إن أي عمل عسكري ضد إيران، مهما بدا محسوبًا، سيضع المنطقة أمام مرحلة توتر مرتفع. تصعيد غير مباشر في الخليج، تهديدات متزايدة للممرات البحرية الحيوية، وتحريك للساحات المرتبطة بإيران عبر رسائل أمنية مدروسة، لا تصل إلى حدّ الحرب الشاملة، لكنها ترفع مستوى عدم الاستقرار وتُبقي الإقليم في حالة اهتزاز دائم.
لا تكمن الإشكالية في حجم الضربة بقدر ما تكمن في كيفية تفسيرها. فما تعتبره واشنطن رسالة ردع واضحة، قد تراه طهران خرقًا لقواعد الاشتباك، ما يفتح الباب أمام ردود متدرجة يصعب التحكم بإيقاعها أو سقفها.
يتحرّك التهديد الأميركي بالضربة ضمن خليط من الحسابات الاستراتيجية والسياسية. فترامب يسعى إلى تكريس صورة الحزم والقوة، داخليًا وخارجيًا، من دون تحمّل كلفة مواجهة مفتوحة تستنزف الاقتصاد الأميركي وتعيد إلى الذاكرة إرث الحروب الثقيلة في الشرق الأوسط.
لكن الردع، حين لا يُستكمل بمسار سياسي واضح، يتحوّل إلى حالة توتر مزمنة، تُبقي المنطقة معلّقة بين تهديد لا يُنفَّذ بالكامل، وانفجار لا يمكن استبعاده في أي لحظة.
في هذا السياق، لا يحتاج لبنان إلى أن يكون ساحة اشتباك مباشرة كي يتضرر. فكل تصعيد أميركي إيراني يضع جنوبه في دائرة الانتظار القلق، ويضاعف المخاوف الشعبية حتى من دون طلقة واحدة.
لبنان اليوم بلد هشّ، اقتصاديًا ونفسيًا. يكفي ظلّ الحرب ليشلّ ما تبقى من حياة يومية، ويقوّض أي أمل بالتعافي، في وطن يقف أصلًا على حافة الانهيار، ويُدفَع مرة جديدة إلى تسديد فاتورة صراعات تفوق قدرته على الاحتمال.
وحتى في حال عدم وقوع الضربة، لا يعني ذلك انفراجًا حقيقيًا. سيبقى الإقليم عالقًا في حالة «لا حرب ولا سلام»، مع استمرار الضغوط والعقوبات وحروب الظل. إيران ستواصل سياسة المناورة، وواشنطن ستُبقي التهديد قائمًا كأداة ضغط دائمة.
أما لبنان، فسيبقى أسير انتظار قاتل: لا تصعيد شامل، لكن لا استقرار. لا حرب، لكن لا أفق سياسي أو اقتصادي واضح.
هكذا يقف لبنان بين الضربة واللا ضربة، خارج دائرة القرار، وداخل دائرة التأثّر. وفي كلتا الحالتين، يدفع اللبناني ثمن صراعات أكبر منه، ويعيش على إيقاع قلق مزمن، في منطقة لا تُنهي أزماتها، بل تتقن فقط فنّ تأجيل انفجارها.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...