الأحد، 13 سبتمبر 2026
بيروت
31°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الشارع صامت… لكن الغضب يتخمّر: ماذا ينتظر اللبنانيون؟

كارولين ياغي

في لبنان، كل شيء يوحي بالعجز، لكن لا شيء يؤكّد النهاية. الشارع ساكن، لا يُسمع فيه سوى ضجيج الحياة اليومية، وإيقاع التعب الذي تسلّل إلى تفاصيل العيش. لم نشهد منذ سنوات احتجاجات واسعة أو تحرّكات شعبية منظمة، اختفت الخيم من الساحات، وغابت الهتافات من الشوارع، وكأن الناس انسحبوا بصمت من المشهد العام. ومع ذلك، خلف هذا الهدوء المديد، يتخمّر غضب صامت، لا يُعبّر عن نفسه علنًا، لكنه حاضر، ثقيل، ينتظر لحظة مناسبة ليطفو على السطح من جديد.

لقد خفتت الأصوات التي ملأت الشوارع ذات خريف، لا لأن الوجع خفّ، بل لأن الرهانات خابت. كثيرون تعبوا من الاحتجاج، لا لأنهم غير معنيين، بل لأنهم لم يجدوا في صراخهم نتيجة. تكرّرت المحاولات، وتعثّرت الأحلام، وتحوّلت الآمال إلى خيبات، سواء عبر فشل التغيير من داخل المؤسسات، أو عبر تشرذم قوى المعارضة، أو ببساطة لأن لا شيء في النظام الحالي يسمح بتحول جذري من دون صدام.

في المقابل، تتعامل السلطة بكل وجوهها مع الصمت الشعبي بوهم الرضا أو بقراءة مريحة تبرّر بقاء الأمور على ما هي عليه. لكن هذا الصمت ليس علامة قبول، بل استنزاف. اللبنانيون لم يتوقفوا عن الغضب، بل تكيّفوا معه كأحد أشكال البقاء. وهذا الغضب، إذ لا يُصرَّف في الشارع بل في الهجرة والسخرية واللا انتماء والكفر بكل منظومة الدولة.

كذلك، فإن الأمان الظاهر ليس بالضرورة مؤشّر استقرار. تتفاقم الأزمات وتزداد التفاوتات ويتعمّق الانقسام بين من يستطيع التكيّف ومن لا يملك الوسائل. وفي بلد يفتقد العدالة الاجتماعية والسياسية، يكون الصمت في أحيان كثيرة مقدّمة لإنفجار غير محسوب، لا يشبه التحركات السابقة، ولا يمكن التحكّم بنتائجه.

لا يعلّق اللبنانيون اليوم آمالًا كبرى على المبادرات السياسية، ولا يثقون كثيرًا بالوعود المتكررة بالإصلاح. حتى مع تغيّر الوجوه في السلطة، يبقى الشعور العام أن اللعبة لم تتغيّر، وأن جوهر النظام لا يزال على حاله. لم يعد الرهان على الأسماء، بل على المسارات والإرادة السياسية وتحوّل فعلي في قواعد الحكم وفي آليات المحاسبة، وفي معنى الدولة نفسها. وإلى أن يتحقّق ذلك، يبقى الغضب في الخلفية، يتغذّى من الإحباط، ويتراكم بصمت، لكنه لا يختفي.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ...

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر...

لندن تصف سياسات نتنياهو بـ "التطهير العرقي"... هل بدأ تفكك التحالف الغربي مع إسرائيل؟

عندما تصدر لندن، عاصمة “وعد بلفور”، حكماً سياسياً وقانونياً على حكومة “إسرائيل” بأنها تمارس “التطهير العرقي” في الضفة، وأنها ترتكب “جرائم...

حين تقترب حرب إيران وأميركا من لبنان

لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة محصورة في جبهة واحدة، بل امتدت إلى الملاحة والطاقة والقواعد العسكرية، فيما بدأت تداعياتها تطال أكثر من ساحة في المنطقة. ومع اتساع رقعة...