قرأت رواية البؤساء للكاتب والروائى والشاعر الفرنسى فيكتور هوغو الذى ولد عام 1800 وتوفى فى عام 1885 فى مكتبة ثانوية الشويخ عندما كنت طالبا فى الصف الاول ثانوى قبل ان تتحول الى جامعة بسنة او سنتين! كنت ضمن طلبة السكن الداخلى وموقعنا فى بيت رقم 5 ومن شروط سكن الطالب فيه ان يكون منزله فى الجهراء او جزيرة فيلكا او الفحيحيل اوالاحمدى اوالفنطاس لكن واسطتى كانت قوية لان بيتنا كان فى حولى فتم استثنائى من ذلك الشرط والسبب ان أغلب” الربع” فى الداخلى كما انك لست بحاجة للاستيقاظ قبل الجرس بساعة لو كنت فى منزلكم بل تكفى عشر دقائق ومابين السرير والفصل الدراسى اقل من 100 متر!!اسمه فى الرواية التى وقعت احداثها بعد الثورة الفرنسية ببضع سنوات وعقب سقوط حكم نابليون بونابرت عام 1799 هو ” جان فالجان” كان حطابا لكن الفقر والطاعون والديكتاتورية جعلته يسرق رغيف خبز لاطعام شقيقته واطفالها فيحكم عليه بالسجن لخمس سنوات! حين تقرأ لهذا الروائى هوغو سواء البؤساء او احدب نوتردام فهو يجعلك تعيش مع ريشته فى شوارع باريس فى اواخر القرن السابع عشر! تشم عفونة الازقة ويتراكض الجرذان بين قدميك فتخرج من زمنك عبر ثقب اسود يصنعه لك هذا الفرنسى المبدع لتعود الى زمنه وتعيش احداث قصته مع ابطالها! ذات يوم دراسى طلب منا مدرس اللغة العربية الفلسطينى ان نكتب موضوع انشاء عن رحلة فى يوم عطلة بشرط ان تكون فى صفحة واحدة فقط! كل الربع فى الفصل كتبوا عن رحلات حداق وقنص “وكشتة فى البر” اما انا فقد كتبت عن رحلتى الى المكتبة و لخصت قصة جان فالجان منذ ان سرق رغيف الخبز وسجن لخمس سنوات ثم هرب فاصطادوه وزادت مدة محكوميته الى 10 ثم هرب ثانية وثالثة ورابعة حتى وصلت سنوات سجنه الى 20 قبل ان ينجح فى الخامسة ويلتقى بالكاهن فى الكنيسة ليتوب الى ربه ويصبح من النبلاء الاثرياء! كل ذلك فى صفحة واحدة فقط! كانت الدرجات وقتها من 50 على مااذكر فاعطانى 49 من 50 قائلا لى: لااستطيع ان اعطيك الدرجة الكاملة لان الكمال لله اولا وثانيا حتى لاتقف عند هذه الدرجة بل تستمر بالسعى لتحصل على النهائية! كانت درجات اللغة العربية من انشاء وقواعد ومع مواد التاريخ والجغرافيا والعلوم والتربية الوطنية والاسلامية من لذائذ مااتلقى ادخل الى حصصها وكأنى داخل الى شقة نانسى عجرم ليلا او سمية الخشاب عصرا او جنيفر لوبيز صباحا او غلاديس ابوجودة بليلة جمعة -فى زمنها- بينما حين يقترب موعد حصة الرياضيات فان قدماى تكونان وكأن ثقلا بمائة كيلو غرام من الحديد يطوقهما ! كنت كالمحكوم عليه بالاعدام وهو يدخل الى غرفة .. النهاية!! كان لدينا وقتها هندسة وجبر وحساب وبين شخبطة المدرس – هكذا كنت اراها – على اللوح الاسود وهو يرسم مثلث ثم يكتب ” اذا الف يساوى باء ودال تساوى هاء فكم يساوى باء ودال وجيم” ؟ وعند هذا الحد يغمى على ولااستيقظ الا على اجمل صوت فى الوجود الا وهو الجرس ايذانا بانتهاء فترة تعذيبى !! كانت درجاتى فى الرياضيات دوما دون الحد الادنى فقد كانت الدرجة الكاملة 50 والادنى 16 فكنت انجح بالرحمة والشفقة من الاساتذة اذ كنت احصل على 14 او 15 فيمنحوننى درجة او درجتين صدقة او زكاة عن انفسهم فانجح بالمادة ” بطق العصى” اما ان حصلت على 12 او 11 فان الدور الثانى يلاحقنى منذ المرحلة المتوسطة وحتى الثانوى! فى ذلك الزمن فى الستينات كان العديد من المدرسين المصريين من بقايا الاخوان المسلمين الذى حذفهم علينا و” وطشرهم”فى الخليج كله جمال عبدالناصر مع لحاهم الخفيفة وجباههم المسودة من حرق الباذنجانة المشوية حتى تبدو “سيماهم فى وجوههم من اثر السجود” وهم يبثون سمهم الزعاف مذابا فى المناهج ليصب فى عقول طلبة فى بدايات مراحل حياتهم ليحفروا بداخلها زندقة البنا وهرطقة سيد قطب! كراهيتى للرياضيات والحساب والجبر والهندسة اجتمعت مع كراهيتى لهؤلاء المتأسلمين التى بدأت مبكرا جدا فقررت الانتقال للدراسة فى المعهد الدينى لسببين : الاول : عدم وجود مادة للرياضيات هناك كما تلك الموجودة فى التعليم الثانوى الادبى والثانى: كنت عاجزا عن الرد على اطروحاتهم الحزبية الاخوانية حين يتلونها علينا اثناء الحصص ولانهم اعدائى منذ نعومة اظفارى فكان قرار دخولى للمعهد من باب مبدأ ” اعرف عدوك” لأتمكن من مجابهتم بذات اسلحتهم ! وهكذا كان وتتلمذت على ايادى كبار مشايخ تخرجوا من الازهر وحصل بعضهم على ” العالمية” والتى تعادل الدكتوراه وشربت من علوم الفقه والبلاغة والنحو والتفسير والتوحيد والعروض حتى ..الثمالة!! بدأنا بفيكتور هوغو “وجان فالجان” وانتهينا بالشيخ عبدالمعطى والشيخ عبدالمتجلى فيالها من بداية ويالها من .. نهاية!!


